مراجعة الأردن الوطنية الطوعية الثالثة: فرصة للنقاش الصادق حول السياسات وتحقيق العدالة الاجتماعية

UK, France, Germany, and Italy Ready to Lift Sanctions on Iran
الصورة عبر News

يستعد الأردن لتقديم مراجعته الوطنية الطوعية الثالثة إلى المنتدى السياسي الرفيع المستوى التابع للأمم المتحدة (United Nations High-Level Political Forum)، والتي تتعلق بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة لعام 2030. يأتي هذا في إطار التزامات المملكة الدولية تجاه أجندة التنمية المستدامة، ويهدف إلى استعراض التقدم المحرز والتحديات التي تواجهها البلاد في مسيرتها نحو تحقيق هذه الأهداف العالمية. هذه المراجعة، المعروفة بالإنجليزية باسم "Voluntary National Review" (VNR)، تمثل فرصة مهمة للأردن لتقييم سياساته التنموية بشفافية.

وينبغي أن تمثل مراجعة الأردن الوطنية الطوعية الثالثة نقطة انطلاق لبدء نقاش وطني صريح حول السياسات المتبعة، لا سيما تلك التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين ورفاهيتهم. هذا النقاش، وفقاً لمصادر مطلعة، سيسهم في تقييم مدى التقدم المحرز والتحديات القائمة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية وأهداف التنمية المستدامة. من الضروري أن يتجاوز التقرير مجرد عرض البيانات ليصبح محفزاً لحوار وطني شامل يشارك فيه مختلف الأطراف المعنية.

تقدم البيانات وتحديات التنفيذ

شهد الأردن تحسناً ملحوظاً في منظومة البيانات الوطنية، حيث توسعت بوابة الأردن التنموية في توفير المؤشرات التي يمكن رصدها وتتبعها بدقة أكبر. هذا التحسن يعكس التزاماً بتعزيز الشفافية والمساءلة في متابعة التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة. كما تم ربط أهداف التنمية المستدامة بالأطر الوطنية الاستراتيجية، مثل رؤية التحديث الاقتصادي، مما يضمن دمج هذه الأهداف في صميم التخطيط التنموي للبلاد.

وقد بُذلت جهود واضحة وملموسة في مجالات حيوية متعددة. ففي قطاع الحماية الاجتماعية، سعت الحكومة إلى تعزيز شبكات الأمان للمواطنين. كما تم إحراز تقدم في تخطيط الأمن الغذائي لضمان توفر الغذاء للجميع، وفي مجال التحول الرقمي الذي يهدف إلى تحديث الخدمات الحكومية وتسهيل الوصول إليها. وشملت الجهود أيضاً تحسين الوصول إلى التعليم، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة كجزء من التزام الأردن بالاستدامة البيئية، بالإضافة إلى إصلاح قطاع المياه الحاسم. على الرغم من هذه الجهود، يواجه الأردن تحديات كبيرة، فهو من بين الدول الأكثر ندرة في المياه على مستوى العالم، وهي حقيقة تضع ضغوطاً هائلة على التنمية المستدامة في جميع القطاعات.

مع ذلك، لا يتم تحديث بيانات الفقر بانتظام، مما يضعف القدرة على تقييم السياسات الاجتماعية بشكل فعال وتحديد الفئات الأكثر احتياجاً بدقة. هذا النقص في البيانات الحديثة يعيق صياغة استجابات سياساتية مستنيرة. كما يظل معدل البطالة مرتفعاً بشكل مقلق، خاصة بين الشباب والنساء، وهو ما يشكل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً يتطلب حلولاً جذرية. ويستمر تراجع القوة الشرائية للأسر بسبب الارتفاع المستمر في تكلفة المعيشة وضعف الأجور الذي لم يواكب هذا الارتفاع، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين.

وتشمل التحديات الأخرى توسع العمل غير الرسمي، الذي يحرم العمال من الحماية الاجتماعية والمزايا الأساسية، والفجوات الواسعة في أنظمة الحماية الاجتماعية التي لا تغطي جميع الشرائح المستضعفة. كما تستمر التحديات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين في عدة جوانب، وتتزايد الضغوط على الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم نتيجة للنمو السكاني والظروف الاقتصادية.

السياسات الاقتصادية وتأثيرها الاجتماعي

يرتبط عدم إحراز تقدم كافٍ في مؤشرات أهداف التنمية المستدامة بشكل وثيق بخيارات السياسات الاقتصادية في الأردن، بما في ذلك الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة وضرائب الاستهلاك. هذه السياسات، التي تفرض أعباء متساوية على جميع مستويات الدخل، غالباً ما تزيد من الضغط على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وقد أدت هذه الخيارات إلى تأثيرات متباينة على الشرائح الاجتماعية المختلفة، حيث تتحمل الفئات الأقل حظاً العبء الأكبر من هذه الضرائب.

لم تواكب سياسات الأجور ارتفاع تكاليف المعيشة، مما أثر بشكل مباشر على القوة الشرائية للأسر وزاد من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها. هذا التفاوت المتزايد بين الأجور والإنفاق الضروري يساهم في تآكل مستويات المعيشة للعديد من المواطنين، ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.

غالبًا ما أعطت سياسات العمل الأولوية لخفض تكاليف التشغيل وتحفيز الاستثمار لجذب رؤوس الأموال، لكنها لم توفر ضمانات كافية لظروف العمل اللائقة أو الحماية الاجتماعية الشاملة للعمال. وقد أدى هذا النهج إلى تحديات مستمرة تتعلق بحقوق العمال ورفاهيتهم، مما يستدعي مراجعة شاملة لضمان التوازن بين تحقيق النمو الاقتصادي وضمان العدالة الاجتماعية وحماية حقوق العمال.

غياب المشاركة المجتمعية الشاملة

لم ترتكز عملية إعداد التقرير على مشاورات واسعة ومنهجية مع منظمات المجتمع المدني، وذلك وفقًا لمصادر مطلعة. هذا الغياب في المشاورات الشاملة يثير تساؤلات جدية حول مدى تمثيل التقرير لوجهات نظر مختلف الشرائح المجتمعية وتحدياتها الفعلية في سياق تحقيق أهداف التنمية المستدامة. إن إشراك المجتمع المدني بفاعلية يعد عنصراً حاسماً لضمان شمولية التقرير وواقعيته.

كما تشير المصادر إلى أن المشاورات التي أجرتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي (Ministry of Planning and International Cooperation) كانت انتقائية، ولم تشمل العديد من المنظمات ذات الخبرة العميقة في مجالات التنمية المختلفة، والتي يمكن أن تقدم إسهامات قيمة بناءً على عملها الميداني ومعرفتها المتخصصة. وقد أثر هذا النهج على شمولية التقرير وقدرته على عكس التحديات والتوصيات من منظور أوسع وأكثر تمثيلاً للمجتمع المدني الأردني، مما يقلل من فرص صياغة سياسات أكثر فعالية واستجابة للاحتياجات الحقيقية.