أثر الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي يشمل إيران، بشكل بالغ على قطاع السياحة في البتراء بالأردن، مما أدى إلى تراجع حاد في أعداد الزوار. تُشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع الأمريكي الإسرائيلي المستمر، والذي تتورط فيه إيران، قد أثر بشكل كبير على قطاع السياحة في البتراء بالأردن، مما تسبب في تراجع حاد ومقلق في أعداد الزوار. فبعد أن استقبلت البتراء أكثر من 112 ألف سائح أجنبي في شهري يناير وفبراير من عام 2025، انخفضت الأعداد بشكل ملحوظ لتتراوح بين 28 ألف و30 ألف سائح خلال شهري مارس وأبريل، مسجلة بذلك تراجعاً يزيد عن 80 ألف زائر في غضون شهرين فقط. وقد شهدت البتراء انخفاضاً حاداً في أعداد الزوار منذ تصاعد حدة الصراع في فبراير، مما يؤكد التأثير المباشر للأحداث الجيوسياسية على هذا القطاع الحيوي.
جاء هذا التصعيد في وقت حرج، حيث هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في أواخر فبراير، وذلك بالتزامن مع بداية موسم السياحة المرتفع في الأردن، مما أثر بشكل مباشر على الآمال في انتعاش القطاع. وأفادت تقارير بأن إيران أطلقت ما يقرب من 300 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه الأردن خلال فترة صراع استمرت خمسة أسابيع، ورغم أن معظمها تم اعتراضه، إلا أن هذا الحدث كان له تأثير فوري ومثبط على السياحة في المنطقة بأسرها، مما دفع العديد من السياح إلى إعادة النظر في خطط سفرهم.
تراجع حاد في أعداد الزوار
تُظهر الأرقام الأخيرة تراجعاً مقلقاً في أعداد الزوار إلى البتراء، حيث بلغت السياحة واحداً بالمائة فقط مما كانت عليه في السابق، وفقاً لما ذكره أحد مربي الجمال المحليين. وسجلت أعداد الزوار القادمين من أوروبا انخفاضاً بنسبة 27 بالمائة في مارس مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مما يعكس تحولاً كبيراً في أنماط السفر الدولية وتأثيراً واسع النطاق للأحداث الإقليمية. وكانت أرقام السياحة للبتراء قد تراجعت بنحو 70 بالمائة في أواخر عام 2023 بعد بدء الحرب في غزة، مما يشير إلى أن المنطقة لم تتعافَ بعد من تأثير الصراعات السابقة، وأن التوترات الجديدة قد فاقمت الوضع.
في الأوقات العادية، تكون الجمال التي تستقبل الزوار في البتراء في حركة مستمرة ولا تجد وقتاً للراحة، حيث يتوافد آلاف السياح يومياً لاستكشاف المدينة الوردية. ومع ذلك، عمل حسين البدول، وهو مربي جمال، في البتراء طوال شهري مارس وأبريل، على الرغم من تباطؤ السياحة إلى حد كبير، مما يعكس الوضع الاقتصادي الصعب الذي يواجهه العاملون في هذا القطاع. يُظهر هذا الوضع التباين الشديد بين الوضع الطبيعي للموقع الأثري وما آلت إليه الأمور في ظل الظروف الراهنة، حيث أصبحت المواقع السياحية التي كانت تضج بالحياة تشهد هدوءًا غير مألوف.
إضافة إلى ذلك، لم يكن هناك أي سباحين على الجانب الأردني من البحر الميت في صباح أحد الأيام خلال الشهر الماضي، وهو مشهد غير معتاد. عادةً ما يمتلئ هذا الجزء من منطقة البحر الميت بالسياح، وخاصة المسيحيين منهم، خلال فترة عيد الفصح، الذين يأتون للاستفادة من الخصائص العلاجية للمياه المالحة ولزيارة المواقع الدينية القريبة. يشير هذا الغياب إلى تأثير واسع النطاق للأزمة على مختلف الوجهات السياحية في الأردن، حيث جفت السياحة في بعض المواقع بسبب الحروب الدائرة في الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين.
في عام 2024، استقبل الأردن أكثر من 7 ملايين زائر، مما ساهم بإيرادات بلغت 7.8 مليار دولار، مما يؤكد الأهمية الكبيرة لقطاع السياحة في الاقتصاد الوطني. وفي عام 2022، استقبلت البتراء وحدها مليون زائر، مما يبرز مكانتها كوجهة سياحية عالمية رئيسية وقدرتها على جذب أعداد هائلة من الزوار في الظروف الطبيعية.
تأثير اقتصادي مدمر على المجتمع المحلي
يُعاني المجتمع المحلي في البتراء من تبعات اقتصادية وخيمة جراء هذا التراجع الحاد في أعداد الزوار. أفاد العديد من بائعي الهدايا التذكارية في البتراء بانخفاض مبيعاتهم بنسبة 90%، مما يعكس الأثر الاقتصادي الحاد على التجارة المحلية الصغيرة التي تعتمد بشكل كبير على السياح. وفي الوقت نفسه، تدرس عدة فنادق في البتراء إغلاق أبوابها بسبب ارتفاع معدلات الإلغاء للحجوزات، مما يهدد بفقدان آلاف الوظائف وتفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل كبير في منطقة تعتمد بشكل شبه كلي على السياحة.
في محاولة لتخفيف الضغط الاقتصادي الناجم عن تراجع السياحة، قامت لجنة تطوير وتنشيط الحركة السياحية في البتراء بتأجيل تحصيل الإيجارات من المحلات التجارية والمطاعم المحلية، في خطوة تهدف إلى دعم أصحاب الأعمال الصغيرة ومساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. كما طالبت اللجنة الحكومة والبنك المركزي بتأجيل أقساط القروض المستحقة على المتضررين من الأزمة، لتوفير بعض الراحة المالية لهم في هذه الأوقات العصيبة، مما يعكس حجم التحدي الذي يواجه القطاع الخاص.
تعتمد نحو 85 بالمئة من سكان البتراء المحليين، البالغ عددهم حوالي 40 ألف نسمة، على السياحة كمصدر رئيسي للدخل، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص لأي تقلبات في هذا القطاع. ويُشكل قطاع السياحة في الأردن مصدراً مباشراً لتوظيف 60 ألف شخص، بينما يعتمد 300 ألف شخص آخر على هذا القطاع لتأمين سُبل عيشهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الخدمات والصناعات المرتبطة بالسياحة، مما يوضح مدى اتساع نطاق التأثير السلبي لأي تراجع في هذا القطاع.
يساهم قطاع السياحة بنسبة 14% من الناتج المحلي الإجمالي في الأردن، في حين تعتمد الحكومة الأردنية على الإيرادات السياحية لتغطية ما يصل إلى 18% من إيراداتها العامة، مما يوضح مدى أهمية هذا القطاع للاستقرار المالي للبلاد. وقد شهدت السياحة في الأردن ركوداً في بعض المواقع خلال الشهرين الماضيين، بسبب الصراعات الجارية في الشرق الأوسط، مما أثر على تدفق الزوار إلى مختلف المناطق السياحية وأحدث خللاً في الموازين الاقتصادية.
مخاوف أمنية وتحديات السفر العالمية
تسببت التوترات الإقليمية والمخاوف الأمنية في إعادة نظر السياح في خطط سفرهم إلى المنطقة. وقد ألغت العديد من شركات الطيران أو غيرت رحلاتها إلى الأردن، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بالسلامة والأمان في الأجواء الإقليمية التي تشهد تصعيداً مستمراً. كما أدت التحذيرات من السفر الصادرة عن بعض الدول إلى إثارة القلق لدى المسافرين، مما دفع الزوار إلى اختيار وجهات بديلة تُعتبر أكثر استقراراً وأماناً، مفضلين تجنب مناطق التوتر.
في مارس وأبريل، تم إلغاء أكثر من 6,000 رحلة طيران كانت متجهة إلى الأردن أو تمر عبر أجوائه، مع تعليق عدة شركات طيران دولية لرحلاتها حتى الخريف، وإلغاء منظمي الرحلات السياحية لرحلاتهم حتى نهاية مايو، مما يعكس حجم الاضطراب في حركة الطيران والسفر الجوي. هذه الإلغاءات الواسعة تعيق بشكل كبير تدفق السياح وتزيد من عزلة المنطقة، مما يؤثر سلباً على إمكانية التعافي السريع لقطاع السياحة.
كانت الخبيرة الاقتصادية ناتاليا ياشنك (Natalia Yashnk) قد خططت لإلغاء رحلتها إلى الأردن بسبب المخاوف الأمنية المتزايدة. ومع ذلك، ألغيت رحلتها الأصلية في 14 أبريل بسبب الظروف الإقليمية، وتمكنت من اللحاق برحلة أخرى بعد ثلاثة أيام، مما يدل على حالة عدم اليقين التي يواجهها المسافرون في المنطقة. وعبرت ناتاليا ياشنك عن شعورها بالحظ لوجودها في البتراء، قائلة: "لكننا محظوظون لوجودنا هنا مع هذا العدد القليل من الناس"، مشيرة إلى الهدوء غير المعتاد في الموقع الأثري الذي عادة ما يكون مزدحماً بآلاف الزوار.
يُعد الأردن شريكاً استراتيجياً مهماً في المنطقة، حيث يتعاون بشكل وثيق مع الولايات المتحدة عسكريًا، ولديه معاهدة سلام طويلة الأمد مع إسرائيل. ويستضيف الأردن مركزًا مهمًا للقوات الجوية الأمريكية في قاعدة موفق السلطي الجوية، مما يبرز دوره في الاستقرار الإقليمي، ولكنه أيضاً يضعه في قلب التوترات الجيوسياسية ويجعله عرضة لتداعيات أي صراع في الجوار.
جهود التعافي والترويج للسياحة
في مواجهة هذه التحديات، أطلقت الحكومة الأردنية حملة بعنوان "أردننا جنة" لتشجيع السياحة الداخلية، في محاولة للتخفيف من تداعيات تراجع أعداد الزوار الأجانب وتعزيز الحركة السياحية المحلية كبديل جزئي. كما أعلنت لجنة البتراء عن تنظيم مهرجان للموسيقى الإلكترونية في الموقع الأثري هذا الشهر، أملاً في جذب الزوار المحليين والدوليين وإعادة الحياة إلى المدينة الوردية. وفي العام الماضي، حقق مهرجان موسيقي مماثل إيرادات بلغت 1.5 مليون دولار على مدار يومين، مما يسلط الضوء على الإمكانات الاقتصادية لمثل هذه الفعاليات في دعم القطاع السياحي وتنشيط الحركة الاقتصادية.
على صعيد متصل، تواجه الحكومة الأردنية ضغوطاً مالية متزايدة؛ حيث كلفت أسعار النفط المرتفعة الحكومة 200 مليون دولار إضافية في شهر مارس وحده، مما يزيد من الأعباء على الموازنة العامة. ويأتي هذا في ظل اعتماد البلاد على استيراد 95 بالمائة من احتياجاتها من الوقود، مما يزيد من العبء المالي على الميزانية العامة ويجعل التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة في ظل تراجع الإيرادات السياحية. هذه التحديات المالية، جنباً إلى جنب مع تراجع الإيرادات السياحية، تضع الأردن أمام وضع اقتصادي دقيق يتطلب حلولاً عاجلة ومستدامة لضمان استقرار البلاد وتجاوز هذه الأزمة.