اكتشف باحثون في جرش الأردنية أقدم موقع دفن مؤكد جينياً لطاعون "الموت الأسود" في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، يعود تاريخه إلى القرن السادس الميلادي. يحدد الدليل الأثري أن عمليات الدفن في مقبرة جماعية بجرش، الأردن، حدثت بين عامي 640 و 659 ميلادياً، مما يجعلها أقدم مقبرة مرتبطة بالطاعون ومؤكدة جينياً، والأولى من نوعها في شرق البحر الأبيض المتوسط. تُعد هذه المقبرة، التي كشفت عنها الحفريات الأثرية في جرش، الأردن، هي الأقدم من نوعها في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث سبقت بحوالي 800 عام حفر دفن "الموت الأسود" التي عُثر عليها في أوروبا خلال العصور الوسطى. هذا الاكتشاف يقدم رؤى قيمة حول انتشار الطاعون وتأثيره في العالم القديم، ويوفر بيانات جينية وأثرية لا تقدر بثمن لدراسة الطاعون الدبلي وتأثيراته على الحضارات القديمة.
تاريخ الطاعون وانتشاره في الإمبراطورية البيزنطية
تسببت بكتيريا الـ "يرسينيا بيستيس" (Yersinia pestis) في تفشي الطاعون الدبلي الذي عُرف باسم "الجائحة الأولى" أو "طاعون جستنيان". هذه البكتيريا هي المسبب الرئيسي للطاعون الدبلي، وهو ما يُعرف أيضاً باسم "الجائحة الأولى" أو "طاعون جستنيان". وقد امتد هذا الطاعون عبر الإمبراطورية البيزنطية، مسبباً دماراً واسع النطاق. فقد انتشر طاعون جستنيان في الفترة ما بين عامي 541 و750 ميلادية، ليُحدث تأثيراً واسع النطاق في الإمبراطورية، مما أثر بشكل كبير على التركيبة السكانية والاقتصادية للمنطقة. يُعد هذا التفشي أحد أكبر الأوبئة في التاريخ المسجل، وقد ترك بصماته العميقة على المجتمعات التي ضربها، مما أدى إلى تغييرات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية كبيرة.
تفاصيل الاكتشاف الأثري في جرش
عُثر على الرفات مدكوكًا بين طبقات من شظايا الفخار والأعمال الحجرية المنهارة داخل حجرتين تحت الأرض، تحملان الرمزين W2 وW3، ويُعتقد أنهما كانتا ورشة سيراميك في السابق. هذه الطريقة في الدفن، التي تمت بسرعة وبأقل قدر من الهياكل الجنائزية، تتسق تماماً مع أحداث الوفيات الجماعية التي تستدعي دفناً سريعاً ومنظماً. تشير طبيعة الدفن إلى سرعة في الإجراءات، حيث تم دفن الجثث بأقل قدر من الهياكل الجنائزية، وهو ما يتوافق مع حوادث الوفيات الجماعية التي تتطلب دفنًا سريعًا ومنظمًا. تعزز هذه الملاحظات الفرضية القائلة بأن الموقع يمثل مقبرة جماعية ناتجة عن حدث كارثي، مما يشير إلى أن الضحايا لقوا حتفهم خلال تفشٍ واحد للمرض، وتم دفنهم في ظروف استثنائية تعكس حجم الكارثة.
اختتم الموقع بعد ذلك بانهيار مقاعد مدرج الخيل الحجرية بسبب زلزال، مما أدى إلى إغلاق القبر وحفظ محتوياته بشكل استثنائي. هذه الظروف الأثرية للدفن والإغلاق قدمت دليلاً حاسماً على طبيعة الحدث الذي أدى إلى دفن هذه الرفات، وحافظت على محتوياته لفترة طويلة، مما أتاح للباحثين فرصة فريدة لدراستها. تم إغلاق القبر بفعل زلزال أدى إلى انهيار مقاعد مدرج الخيل الحجرية، مما ساهم في حفظ الموقع ومحتوياته بشكل فعال على مر القرون، وحمايته من عوامل التعرية والتدخل البشري.
الدلالات العلمية والاجتماعية للاكتشاف
استُخلص الحمض النووي من رفات أكثر من 230 فردًا دُفنوا تحت ميدان سباق الخيل الذي يعود للقرن الثاني في جرش، وأظهرت النتائج إيجابية لوجود بكتيريا اليرسينيا بيستيس (Yersinia pestis). أفادت تقارير بأن جميع جينومات الـ Y. Pestis المُستعادة من الموقع تنتمي إلى سلالة واحدة ومتجانسة، مما يشير إلى أن الضحايا لقوا حتفهم خلال تفشٍ واحد للمرض. تُظهر هذه النتائج أن الطاعون أثر على عدد كبير من الأفراد في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، مما يؤكد شدة الوباء وتأثيره الفوري على المجتمع، ويقدم دليلاً جينياً قوياً على مصدر الوفيات الجماعية.
كما تشير التقارير إلى أن الاكتشافات في جرش تُبرهن على تعايش أنماط الهجرة البطيئة عبر الأجيال وأنماط الحركة التي تحركها الأزمات في المجتمعات القديمة، مما يقدم رؤية أوسع للتفاعلات الاجتماعية في مواجهة الكوارث. هذه النتائج تقدم نافذة فريدة لفهم كيفية استجابة المجتمعات القديمة للأزمات الصحية الكبرى، وتوضح مدى تأثير الأوبئة على الديناميكيات السكانية والحركات البشرية. يساهم هذا الاكتشاف في إعادة كتابة جزء من تاريخ الأوبئة، ويوفر بيانات جينية وأثرية لا تقدر بثمن لدراسة الطاعون الدبلي وتأثيراته على الحضارات القديمة، ويفتح آفاقاً جديدة للبحث في تاريخ الأمراض المعدية وتفاعلها مع المجتمعات البشرية.