الأردن: مبادرة مجتمعية تعيد الحياة للمراعي وتصبح نموذجاً للمنطقة

الصورة: UNEP/Todd Brown عبر News

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت الأميرة بسمة بنت علي بتأسيس أول حديقة نباتية في الأردن، في مسعى يهدف إلى استعادة الحياة للمراعي الطبيعية في البلاد. يأتي هذا الجهد في منطقة تُصنّف من بين الأكثر شحاً في المياه والأراضي على مستوى العالم، وتحديدًا في غرب آسيا. تواجه المنطقة تحديات بيئية كبيرة، بما في ذلك تدهور الأراضي وفقدان التنوع البيولوجي، مما يجعل جهود الاستعادة البيئية ضرورية وملحة. ترى الأميرة بسمة بنت علي أن في المراعي المستعادة "هناك وفرة، هناك مرونة. وهناك بالتأكيد الكثير من الأمل للمستقبل". تعكس هذه المبادرة رؤية لإحياء التنوع البيولوجي وتعزيز الاستدامة البيئية في الأردن، لتصبح نموذجًا محتملاً للمنطقة بأسرها في مواجهة التحديات البيئية المشتركة.

نشأة الحديقة الملكية وتحديات المنطقة

تقع الحديقة النباتية الملكية (Royal Botanic Garden) خارج العاصمة الأردنية عمان مباشرةً، مما يسهل الوصول إليها ودمجها في الجهود الوطنية للحفاظ على البيئة. تأسست الحديقة في منطقة تل الرمان (Tal al-Rumman)، وهي منطقة جبلية حرجية تقع شمال عمان. تم اختيار هذا الموقع الاستراتيجي نظراً لثرائه البيئي المحتمل وقربه من المجتمعات التي يمكن أن تستفيد وتساهم في جهود الاستعادة. تعكس هذه المبادرة فهمًا عميقًا للحاجة إلى حماية وإحياء النظم البيئية المحلية، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية في الأردن والمنطقة الأوسع. تمتد الحديقة النباتية الملكية على مساحة 180 هكتاراً، مما يوفر مساحة واسعة لتطبيق مبادئ الاستعادة البيئية وتطويرها.

تُعد الحديقة النباتية الملكية محوراً لمشروع طموح يهدف إلى استعادة الغطاء النباتي الأصلي والتنوع البيولوجي في المنطقة. يواجه الأردن، كجزء من غرب آسيا، تحديات بيئية هائلة تتمثل في ندرة المياه وتدهور الأراضي والتصحر، مما يجعل مشاريع مثل هذه حيوية للحفاظ على البيئة وسبل عيش السكان. إن استعادة المراعي ليست مجرد جهد بيئي، بل هي أيضاً استثمار في الأمن الغذائي والمائي للمستقبل.

استعادة المراعي: نهج قائم على المجتمع

استفادت المجتمعات المحلية بشكل كبير من حملة شاملة لاستعادة المراعي المحيطة بالحديقة النباتية التي تبلغ مساحتها 180 هكتاراً. تهدف المبادرة إلى إشراك السكان المحليين في جهود الحفاظ على البيئة، مما يوفر لهم فرصاً اقتصادية مستدامة مع تحسين النظام البيئي المحيط بهم. يعكس هذا النهج القائم على المجتمع إيماناً راسخاً بأن الاستدامة البيئية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال المشاركة الفاعلة والدعم الكامل من المجتمعات التي تعيش في المناطق المتأثرة وتعتمد على مواردها الطبيعية. وقد أظهرت النتائج الأولية لهذه الجهود تحسناً ملحوظاً في جودة المراعي وقدرتها على دعم التنوع البيولوجي المحلي، مما يؤكد فعالية هذا النموذج التعاوني.

وتم إيقاف الرعي في الموقع عام 2008 لمدة ثلاث سنوات كاملة، كجزء من استراتيجية أوسع ومدروسة لإتاحة الفرصة للنباتات الطبيعية للتعافي والنمو دون ضغط الرعي المستمر. كان هذا الإجراء خطوة حاسمة نحو استعادة صحة النظام البيئي للمراعي، حيث أن الرعي الجائر يعد أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الأراضي وفقدان الغطاء النباتي في العديد من المناطق حول العالم. سمح وقف الرعي بتجديد التربة وإعادة نمو الغطاء النباتي الكثيف، مما أرسى أساساً قوياً للجهود المستقبلية لاستعادة المراعي وضمان استدامتها على المدى الطويل.

قفز إنتاج الكتلة الحيوية حوالي 30 بالمائة في كل من السنوات الثلاث الأولى مباشرة بعد وقف الرعي، مما يدل على استجابة سريعة وإيجابية للنظام البيئي. تُشير هذه الزيادة الكبيرة والمستمرة إلى الفعالية المباشرة والملموسة لقرار حظر الرعي المؤقت في تعزيز النمو النباتي واستعادة خصوبة التربة. يعكس ارتفاع إنتاج الكتلة الحيوية تحسناً في خصوبة التربة وتنوع الأنواع النباتية، مما يعزز قدرة المراعي على دعم الحياة البرية وتوفير الموارد الطبيعية اللازمة لاستدامتها. أظهرت هذه الأرقام أن التدخلات المستهدفة والمدروسة يمكن أن تُحدث فرقاً إيجابياً وملحوظاً في استعادة النظم البيئية المتدهورة.

ارتفع عدد الأسر المحلية المشاركة في المبادرة من خمس في بدايتها إلى أكثر من 50 أسرة اليوم، مما يبرز التوسع الكبير في نطاق المشروع وتأثيره الاجتماعي. يدل هذا التوسع على النجاح المتزايد لنموذج الشراكة المجتمعية الذي تعتمده الحديقة، والذي يركز على تمكين السكان المحليين. يساهم انخراط هذه الأسر في جهود الحفاظ على المراعي من خلال ممارسات مستدامة وتوعية بيئية، مما يعزز الشعور بالملكية والمسؤولية تجاه الموارد الطبيعية التي يعتمدون عليها. يُعد هذا النمو في المشاركة دليلاً واضحاً على أن المبادرات البيئية يمكن أن تكون أيضاً محركات قوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية، مما يخلق نموذجاً متكاملاً للتنمية المستدامة.

نتائج ملموسة: تنوع بيولوجي وازدهار اقتصادي

صنفت الأمم المتحدة المبادرة كـ "نموذج رائد عالمي لاستعادة النظم البيئية" (World Restoration Flagship)، مما يسلط الضوء على أهمية مشروع استعادة المراعي في الأردن على الصعيد الدولي ويعترف بفرادته وفعاليته. تقع الحديقة النباتية الملكية، التي تعد محور هذه الجهود الرائدة، على مساحة 180 هكتاراً. وقد أسفرت هذه المبادرات عن نتائج بيئية ملموسة وقابلة للقياس. ففي عام 2024، وصل تقدير إنتاج الكتلة الحيوية في الموقع إلى حوالي 250 طناً، مما يعكس تحسناً كبيراً في خصوبة التربة والغطاء النباتي وقدرة النظام البيئي على الازدهار.

كما أظهر التنوع البيولوجي للنباتات المحلية تحسناً ملحوظاً، حيث ارتفع عدد أنواع النباتات البرية المحلية من 436 نوعاً في عام 2006 إلى أكثر من 600 نوع حالياً. هذه الزيادة تعكس نجاح جهود الاستعادة في توفير بيئة مناسبة لنمو وتكاثر الأنواع النباتية الأصلية. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى ارتفاع عدد أنواع النباتات البرية المحلية المهددة بالانقراض إلى 22 نوعاً، مما يؤكد الحاجة المستمرة لجهود الحفاظ والمراقبة الدقيقة والمستمرة لحماية هذه الأنواع المعرضة للخطر. تعكس هذه الأرقام الأثر الإيجابي لنهج الاستعادة المجتمعية في الحديقة النباتية الملكية، مع تسليط الضوء على التحديات المستمرة في حماية الأنواع المعرضة للخطر وضمان استدامة التنوع البيولوجي على المدى الطويل.

تطلعات مستقبلية ونموذج إقليمي

تهدف مبادرة إعادة تأهيل المراعي القائمة على المجتمع إلى استعادة الحديقة النباتية الملكية بشكل كامل وتطبيق الدروس المستفادة والنجاحات المحققة عبر منطقة الشرق الأوسط، التي تواجه تحديات بيئية مماثلة. يُسمح للرعاة المحليين بإحضار حيواناتهم إلى المنطقة المستعادة لمدة تصل إلى 120 يوماً في فصلي الصيف والخريف، مما يمثل جزءاً من النهج المتكامل الذي يوازن بين الحفاظ على البيئة واحتياجات المجتمعات المحلية لكسب عيشها. وقد ساهم هذا النهج في إثبات جدوى التعايش بين الاستخدام التقليدي والمستدام للموارد الطبيعية وجهود الاستدامة البيئية الحديثة.

كما تبادلت الحديقة النباتية الملكية الخبرات والمعرفة مع مشاريع الحفاظ على المراعي المجتمعية في كل من مصر والمملكة العربية السعودية، مما يعكس التزام الأردن بمشاركة تجربته الناجحة. يعكس هذا التعاون الإقليمي طموح الأردن في أن تصبح المبادرة نموذجاً يحتذى به في المنطقة الأوسع، خاصة في ظل التحديات المشتركة المتعلقة بندرة المياه وتدهور الأراضي والتصحر. ويهدف تبادل الخبرات إلى بناء قدرات محلية وإقليمية في مجال الإدارة المستدامة للمراعي، وتعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة التحديات البيئية المشتركة، مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر استدامة للمنطقة بأسرها.