اجتمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (Asaad al-Shaibani) مع مسؤولين استخباراتيين إسرائيليين في الأردن، في محادثات تهدف إلى خفض التصعيد بين البلدين. وقد جاءت هذه المحادثات بوساطة من الولايات المتحدة الأمريكية، مما يؤكد الدور المحوري الذي تلعبه واشنطن في جهود تثبيت الاستقرار الإقليمي. وشارك في هذه المحادثات وفد إسرائيلي رفيع المستوى، ضم رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان (Roman Gofman)، حسبما أفادت مصادر مطلعة. جاء ذلك بعد أن قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب إدلب يوم الخميس. وقد تبادل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقادات حادة منذ وقوع الحادث، مما يسلط الضوء على التعقيدات الإقليمية المتشابكة.
خلفية التوترات الإسرائيلية السورية التركية
ناقشت الأطراف جهود تخفيف حدة التوترات بين إسرائيل وتركيا ومنع امتداد تنافسهما إلى الأراضي السورية، وذلك بحسب ما أفادت مصادر مطلعة. وقد جاء هذا النقاش في سياق يسبق المحادثات الأوسع التي جرت بوساطة أمريكية، والتي تهدف إلى معالجة القضايا الأمنية الملحة في المنطقة. زعمت إسرائيل أن الهجوم على قاعدة أبو الظهور الجوية كان يهدف إلى منع القوات التركية من الانتشار في القاعدة، مما يشير إلى مخاوف إسرائيلية عميقة من تعزيز الوجود التركي في المنطقة وتأثيره المحتمل على توازن القوى.
إلا أن سوريا وتركيا نفتا ادعاء إسرائيل بشأن الهجوم على قاعدة أبو الظهور الجوية، ولم تقدما تفسيراً بديلاً علنياً للغارة، مما يترك الباب مفتوحاً أمام التكهنات حول الأهداف الحقيقية للضربة. تأتي هذه التطورات في ظل سجل إسرائيلي طويل من العمليات العسكرية في سوريا. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، شنت إسرائيل مئات الضربات على الأراضي السورية، مستهدفة ما تصفه بأنه مواقع عسكرية إيرانية أو تابعة لميليشيات موالية لإيران. هذه الضربات المتكررة تعكس استراتيجية إسرائيلية واضحة لتقويض النفوذ الإيراني في سوريا.
في خطوة أثارت مزيداً من التوتر، أرسلت إسرائيل قوات إلى المنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، والتي طالما فصلت بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان المحتلة. وتعد هذه المنطقة حساسة للغاية تاريخياً وسياسياً، وأي تحرك عسكري فيها يمكن أن يؤدي إلى تصعيد سريع في التوترات الإقليمية، مما يهدد الاستقرار الهش في المنطقة. وقد أثار هذا التحرك قلقاً دولياً بشأن احتمالية خرق اتفاقيات فك الاشتباك القائمة.
مطالب سوريا وآفاق الاتفاق الأمني
ركزت المحادثات على وضع آليات عملية لوقف الهجمات الإسرائيلية والاعتقالات والعمليات التي تستهدف الأراضي السورية، وهي قضايا حيوية بالنسبة لدمشق. وقد أكد المسؤولون السوريون في هذه اللقاءات على سيادة سوريا وحقها في إعادة بناء جيشها الوطني وتحديد تحالفاتها دون تدخل خارجي، مشددين على أن هذه المبادئ غير قابلة للتفاوض وتعتبر أساساً لأي حل دائم. هذه المطالب تعكس رغبة دمشق في استعادة كامل سيادتها وتأمين حدودها، وهي جزء لا يتجزأ من رؤيتها لمستقبل مستقر في المنطقة.
شملت الأولويات الفورية التي طرحتها سوريا انسحاباً إسرائيلياً إلى المواقع التي كانت تحت سيطرتها قبل الإطاحة بحكومة بشار الأسد، وهو ما يمثل مطلباً جوهرياً لدمشق لاستعادة الأراضي التي تعتبرها جزءاً من سيادتها الوطنية. إضافة إلى ذلك، طالبت سوريا باستعادة كاملة لتطبيق اتفاق فك الارتباط لعام 1974، الذي يعتبر حجر الزاوية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية مع إسرائيل، وضرورياً لتهدئة التوترات على طول الحدود وضمان عدم تكرار التصعيد. هذه المطالب السورية تهدف إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل التوترات الأخيرة وتوفير أساس مستقر للعلاقات الثنائية، مع التأكيد على ضرورة احترام الحدود المتفق عليها دولياً.
تسعى الولايات المتحدة إلى التوسط في اتفاق أمني بين إسرائيل وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع (Ahmed al-Sharaa) لأكثر من عام. وتأتي هذه الجهود الدبلوماسية في سياق محاولات أوسع لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتجنب التصعيد العسكري في المنطقة، الذي قد تكون له تداعيات واسعة النطاق على الأمن الإقليمي والدولي. وتهدف الوساطة الأمريكية إلى إيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف لضمان التزام طويل الأمد بآليات منع التصعيد، وبناء ثقة متبادلة تسهم في تهدئة الأوضاع، وتوفير إطار للتعاون الأمني المستقبلي.
موقف إسرائيل وخطوطها الحمراء
تطرقت المحادثات أيضاً إلى إحياء المفاوضات الهادفة إلى التوصل لاتفاق أمني دائم بين سوريا وإسرائيل، مما يشير إلى مساعٍ أوسع لتثبيت الاستقرار في المنطقة ومنع تكرار النزاعات التي شهدتها المنطقة على مر السنين. وقد ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن هذه المحادثات اتسمت بالإيجابية، وأن المسؤولين الإسرائيليين قد وضعوا عدداً من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها كجزء من أي اتفاق مستقبلي، مؤكدين على مصالحهم الأمنية الحيوية التي يعتبرونها غير قابلة للمساومة.
تضمنت هذه الخطوط الحمراء الإسرائيلية منع أي نشاط عسكري تركي في سوريا، وهو ما يعكس قلق إسرائيل من توسع النفوذ التركي في المنطقة وتأثيره على أمنها الإقليمي، خاصة في ظل التوترات الأخيرة بين الطرفين. كما شددت إسرائيل على ضرورة إبقاء الجانب السوري من مرتفعات الجولان منزوع السلاح، وهو مطلب أساسي لأمنها الحدودي ويشكل جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها الدفاعية لضمان عدم تعرض حدودها لأي تهديدات محتملة. أكدت إسرائيل على أهمية ضمان أمن الطائفة الدرزية في سوريا، وهو ما يمثل جانباً إنسانياً وأمنياً في آن واحد، ويعكس التزام إسرائيل بحماية الأقليات في المنطقة، لا سيما تلك التي تربطها بها علاقات تاريخية. ومن بين الخطوط الحمراء الأخرى، منع الجيش السوري من امتلاك أنظمة أسلحة استراتيجية معينة، في محاولة للحد من قدراته العسكرية الهجومية المحتملة وضمان تفوق إسرائيل العسكري في المنطقة، والحفاظ على توازن القوى.
الوساطة الأمريكية ودورها المستقبلي
توسطت الولايات المتحدة في المحادثات بين سوريا وإسرائيل، مما يشير إلى دورها المستمر في تسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة في المنطقة والسعي لإيجاد حلول دبلوماسية مستدامة للأزمات الإقليمية. وكانت واشنطن قد سعت لأكثر من عام للتوسط في اتفاق أمني بين إسرائيل وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، بهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي وتجنب التصعيد العسكري الذي قد يزعزع المنطقة بأكملها ويؤثر على المصالح الأمريكية. وتأتي هذه الجهود الدبلوماسية في سياق محاولات أوسع لضمان التزام طويل الأمد بآليات منع التصعيد، وبناء أساس لعلاقات أكثر استقراراً بين الجانبين، مما يسهم في تحقيق أمن إقليمي أوسع.
وكانت سوريا وإسرائيل قد اتفقتا في وقت سابق، خلال محادثات بوساطة أمريكية أيضاً، على إنشاء آلية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية ونزع فتيل التوترات، مما يمثل سابقة مهمة في العلاقات بين البلدين. وقد شكل هذا الاتفاق خطوة مهمة نحو بناء الثقة بين البلدين، ومهد الطريق أمام مناقشات أوسع حول القضايا الأمنية، مما يدل على إمكانية التعاون حتى في ظل التوترات القائمة. وتهدف هذه الآلية إلى توفير قناة اتصال مباشرة لمعالجة أي تطورات قد تؤدي إلى تصعيد غير مقصود، وتقليل سوء الفهم بين الأطراف، وبالتالي الحفاظ على الاستقرار على الحدود.
إلا أن تلك المفاوضات توقفت في نهاية فبراير الماضي، بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية على إيران، وهو ما أثر بشكل مباشر على مسار الحوار بين دمشق وتل أبيب. وقد أثر هذا التطور الإقليمي بشكل مباشر على مسار المحادثات الثنائية، مما أدى إلى تعليق التقدم الذي تم إحرازه في بناء آليات خفض التصعيد وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وألقى بظلاله على جهود الوساطة. هذا التعليق يبرز مدى حساسية المفاوضات وتأثرها بالتطورات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة، ويشير إلى أن أي تصعيد إقليمي يمكن أن يعرقل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية.