الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على آمال الأردن الاقتصادية وتضع اقتصاده تحت الضغط

Smoke from Iranian attacks on Jordan's Red Sea port of Aqaba is visible from the Israeli city of Eilat.
الصورة: Reuters عبر News

تعرض الأردن لهجمات جوية إيرانية متجددة، حيث استأنفت إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه المملكة في التاسع من يوليو. هذه الهجمات تأتي في سياق تصعيد إقليمي متواصل، وقد شهدت المملكة خلال الأسبوعين ونصف الماضيين استهدافها بعشرات المقذوفات الإيرانية، مما زاد من حالة التوتر والقلق. وقد أدت هذه الهجمات إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في هجوم إيراني وقع يوم الأحد على قاعدة جوية شرق الأردن. وتُعد هذه الحادثة هي الأولى التي تسجل فيها وفيات لجنود أمريكيين في المملكة منذ بدء الحرب المتجددة، مما يرفع من مستوى المخاطر الأمنية والسياسية في المنطقة. هذا التصعيد يهدد بشكل مباشر استقرار الأردن الذي يُعد حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في المنطقة، ويزيد من الضغوط على اقتصاده الذي يواجه تحديات متزايدة.

تداعيات الحرب على الاستثمار والسياحة

لطالما كانت التوقعات تشير إلى أن الاهتمام الإقليمي بالأردن وميناء العقبة كطريق بديل لمضيق هرمز كان من شأنه أن يعزز الثقة ويجذب الاستثمار الأجنبي. هذا الاهتمام كان مبنياً على الموقع الجغرافي الاستراتيجي للأردن وقدرته على توفير ممر تجاري آمن بعيداً عن التوترات في مناطق أخرى حساسة مثل مضيق هرمز. ومع ذلك، يبدو أن الصراع الأخير قد ألقى بظلاله الكثيفة على هذه الآمال الواعدة، محولاً التفاؤل إلى حذر شديد بين المستثمرين المحتملين. كما أن السياح الغربيين، الذين كان من المتوقع عودتهم إلى الأردن بعد وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية في 8 أبريل، يبدو من غير المرجح أن يعودوا الآن، مما يزيد من الضغوط على قطاع السياحة الحيوي في المملكة، الذي يعتمد بشكل كبير على الزوار الدوليين ويشكل رافداً مهماً للاقتصاد الوطني.

وتأثر قطاع السياحة بشدة بالفعل، حيث انخفضت الإيرادات من السياحة بنسبة 9.2 بالمائة لتصل إلى 2.8 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. ويعكس هذا التراجع حالة عدم اليقين التي يواجهها القطاع، والتي تفاقمت بفعل التوترات الإقليمية المستمرة التي تؤثر على قرارات السفر الدولية وتجعل الوجهات في المنطقة أقل جاذبية للمسافرين. وتُظهر الأرقام الحالية أن نسبة إشغال الفنادق في البتراء، وهي أحد أبرز المواقع السياحية في الأردن وتعتبر جوهرة التاج السياحي للمملكة، لا تتجاوز أربعة بالمائة. هذا الانخفاض الحاد يؤكد التأثير المباشر للوضع الأمني على أعداد الزوار وتفضيلاتهم، ويعكس مخاوف المسافرين من التوترات الأمنية في المنطقة، مما يجعلهم يعيدون النظر في خططهم لزيارة الأردن ويختارون وجهات بديلة أكثر استقراراً.

على صعيد آخر، يُنظر على نطاق واسع إلى الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى على أنها تستثمر بقوة في الحفاظ على استقرار الأردن الذي دام خمسة عقود. هذا الاستثمار يتمثل في تقديم المساعدات المالية والأمنية المستمرة، والتي تُعد حجر الزاوية في الحفاظ على التوازن الاقتصادي والأمني للمملكة، خاصة في ظل التحديات الحالية المتزايدة التي تتطلب دعماً دولياً قوياً. هذا الدعم الأجنبي يُعتقد أنه قد يساعد في التخفيف من بعض الآثار السلبية للصراع الإقليمي، ويساهم في تعزيز قدرة الأردن على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة. تدعم الولايات المتحدة وأوروبا مشاريع بنية تحتية كبرى في الأردن، تعتمد على الطاقة الشمسية ومخطط بدء تنفيذها في العقبة العام المقبل، مما يعكس التزاماً طويل الأمد بدعم التنمية الاقتصادية المستدامة في المملكة وتوفير فرص عمل جديدة.

وفي مؤشر آخر على التأثير الاقتصادي العميق لهذه التوترات، تم تأجيل مؤتمر استثماري برعاية الاتحاد الأوروبي في الأردن من النصف الأول من هذا العام إلى نوفمبر. ويعكس هذا التأجيل الحذر المتزايد من قبل المستثمرين الأجانب والجهات المانحة في ظل التوترات المستمرة وعدم اليقين بشأن الاستقرار الإقليمي، مما يدفعهم إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالاستثمار في المنطقة. كان المؤتمر يُعتبر فرصة حيوية لجذب رؤوس الأموال وتعزيز النمو الاقتصادي، وكان من المتوقع أن يفتح آفاقاً جديدة للمشاريع التنموية في قطاعات حيوية مختلفة. لكن الظروف الحالية جعلت تأجيله أمراً حتمياً، مما قد يؤثر على وتيرة تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى التي تعتمد على الاستثمار الأجنبي المباشر وعلى قدرة الأردن على جذب التمويل اللازم لتحقيق أهدافه الاقتصادية الطموحة.

تأثير الهجمات على ميناء العقبة وسلاسل الإمداد

جاء استئناف الحرب الجوية على الرغم من اتفاق توسطت فيه باكستان الشهر الماضي كان من المفترض أن يعزز وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، ويخفف من التوترات في المنطقة. هذا الاتفاق كان يهدف إلى إرساء أساس لاستقرار إقليمي أوسع، لكن تجدد الهجمات قوض هذه الجهود الدبلوماسية وأعاد المنطقة إلى مربع التوتر. ومع تجدد الهجمات، أشار مصدر مطلع إلى أن سلسلة الخدمات اللوجستية عبر المنطقة تشهد اضطرابًا كبيراً، حيث قال ناقل بحري في العقبة، مؤكداً على حجم المشكلة: "سلسلة الخدمات اللوجستية عبر المنطقة في حالة اضطراب". هذا الاضطراب يؤثر على حركة البضائع والسلع الأساسية، ويزيد من تكاليف التشغيل للشركات، مما ينعكس سلباً على المستهلكين والاقتصاد ككل. وقد أفاد سكان مدينة العقبة بسماع دوي انفجارات متكررة، في مؤشر على تصاعد التوتر الأمني الذي أصبح يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين ويخلق حالة من القلق الدائم. وتُعد هذه المرة الأولى التي يبدو فيها أن العقبة، بدلاً من مدينة إيلات الإسرائيلية المجاورة، كانت هدفاً لإطلاق النار المباشر، مما يضع الميناء الحيوي في قلب الصراع الإقليمي ويهدد مكانته كمركز لوجستي آمن.

وقد انعكست هذه التطورات على تكاليف الشحن بشكل مباشر وفوري. ففي بداية الحرب، ارتفعت تكاليف شحن الحاوية الواحدة إلى العقبة القادمة من شرق آسيا من 1500 دولار إلى 6000 دولار، وهو ما يمثل زيادة هائلة أثرت على المستوردين والمستهلكين على حد سواء، وزادت من الأعباء المالية على الشركات. ثم انخفضت هذه التكاليف بعد وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، مما أعطى بصيص أمل للتعافي الاقتصادي وتقليل الضغوط على قطاع الاستيراد. لكن خلال الأسبوعين الماضيين، ومع تجدد الهجمات والتصعيد الأمني، ارتفعت التكاليف مرة أخرى لتصل إلى 6000 دولار، وفقًا لمستورد أغذية أردني بارز. ووصف هذا المستورد الوضع بقوله: "الشحن كان كابوسًا"، مما يعكس الصعوبات الكبيرة التي يواجهها قطاع الاستيراد والتصدير نتيجة للتقلبات الأمنية المستمرة وعدم القدرة على التنبؤ بتكاليف الشحن.

خلال الأسبوعين ونصف الماضيين، استهدفت عشرات المقذوفات الإيرانية المملكة، مما زاد من المخاوف الأمنية بشكل كبير وأثر على الثقة في استقرار المنطقة ككل. وفي ظل هذه الظروف المتدهورة، طلبت الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA) من شركات الطيران تجنب الأردن حتى نهاية أغسطس. وقد جاء هذا الطلب مشيرة إلى "زيادة في النشاط العسكري الحركي الذي يؤثر على المجال الجوي الأردني"، مما يؤكد على المخاطر المتزايدة التي تواجه حركة الطيران المدني في المنطقة ويفرض قيوداً إضافية على السفر الجوي من وإلى الأردن. هذا التحذير لا يؤثر فقط على شركات الطيران وخطط رحلاتها، بل يرسل أيضاً رسالة سلبية للمستثمرين والسياح المحتملين حول سلامة وأمن المملكة، مما قد يثبط عزيمتهم عن التفكير في الأردن كوجهة للاستثمار أو السياحة.

الوضع الاقتصادي العام والمؤشرات

تلقى الاقتصاد الأردني ضربة إضافية هذا العام جراء الحرب المستمرة، بعد أن شهد ركوداً مستمراً منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. هذا الركود الطويل الأمد جعل الاقتصاد الأردني أكثر عرضة للصدمات الخارجية، وتفاقمت هذه الهشاشة مع تجدد التوترات الإقليمية التي تفرض أعباءً إضافية على الميزانية العامة والقطاع الخاص. وفي ظل هذه التحديات، تدعم الولايات المتحدة وأوروبا مشاريع بنية تحتية كبرى في الأردن، تعتمد على الطاقة الشمسية ومخطط بدء تنفيذها في العقبة العام المقبل، في محاولة لتعزيز النمو الاقتصادي وتوفير بدائل مستدامة للطاقة، مما يعكس التزاماً دولياً بدعم استقرار الأردن على المدى الطويل.

ورغم هذه الظروف الصعبة، أشار تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في يونيو إلى أن معظم الاقتصاد الأردني "يواصل العمل بشكل طبيعي"، مع بعض القطاعات "التي تستفيد من طلب خارجي أقوى وارتفاع الصادرات". هذا التقرير يقدم صورة مختلطة للوضع الاقتصادي، حيث تظهر بعض القطاعات مرونة وقدرة على التكيف في مواجهة التحديات، مما يشير إلى وجود نقاط قوة داخلية يمكن البناء عليها. ويأتي ذلك في وقت حافظ فيه معدل التضخم الرسمي في الأردن على استقراره عند 2 بالمائة بنهاية النصف الأول من عام 2026، مما يشير إلى قدرة البنك المركزي على السيطرة على الأسعار في ظل الظروف الراهنة وتجنب ارتفاعات حادة في تكاليف المعيشة.

كما أظهرت بيانات أن تراخيص البناء سجلت ارتفاعاً بنسبة 5.4 بالمائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، مما يعكس نشاطاً في قطاع الإنشاءات قد يكون مدفوعاً بمشاريع داخلية أو استثمارات محلية. ومع ذلك، بقيت المساحات المرخصة الإجمالية ثابتة عند أربعة ملايين متر مربع، مما يشير إلى استقرار نسبي في هذا القطاع رغم الزيادة في عدد التراخيص الصادرة. هذه الأرقام، على الرغم من أنها قد تبدو إيجابية، إلا أنها لا تعكس بالضرورة نمواً كبيراً، بل قد تشير إلى استمرار المشاريع القائمة دون توسع كبير في المساحات الإنشائية الجديدة، مما يبرز الحاجة إلى حوافز أكبر لدفع عجلة النمو الاقتصادي. يظل الاقتصاد الأردني يواجه تحديات كبيرة تتطلب استجابة حذرة ومدروسة من الحكومة والجهات الدولية الداعمة، لضمان استقراره في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة.