يعمل الأردن حالياً على تحويل سياسته الاقتصادية الكلية بشكل منهجي لدمج مقاييس حقوق الإنسان مباشرةً في أطر حوكمة الشركات الخاصة به. ويهدف هذا التوجه، الذي يأتي ضمن إطار أوسع لتطوير السياسات، إلى تجاوز الوعي المفاهيمي الأساسي لمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs) نحو تطبيق عملي في الميدان. نُشر هذا المقال، الذي يتناول تفاصيل هذه الجهود، بتاريخ 18 مايو 2026. تهدف هذه التعديلات إلى تعزيز بيئة استثمارية أكثر استدامة ومسؤولية، مع التركيز على ضمان احترام حقوق الإنسان في مختلف القطاعات الاقتصادية.
رؤية الأردن نحو الاستثمار المسؤول
تتماشى هذه التحولات مع الاستراتيجيات الأردنية الأوسع لتحديث القطاعات السياسية والاقتصادية والعامة في المملكة. وتعمل رؤية التحديث الاقتصادي على ترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي للاستثمار المسؤول اجتماعياً (SRI) والامتثال لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG). هذا التحول المنهجي في السياسة الاقتصادية الكلية للأردن يهدف إلى دمج مقاييس حقوق الإنسان مباشرةً في أطر حوكمة الشركات الخاصة به، وهو ما ينسجم تماماً مع استراتيجيات التحديث الشاملة للمملكة في قطاعاتها السياسية والاقتصادية والعامة. إن الهدف التشغيلي من هذه الاستشارات هو نقل الأردن من الوعي المفاهيمي الأساسي لمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs) إلى تطبيق عملي وملموس على أرض الواقع.
يشمل هذا التوجه تطبيق معايير العمل اللائق وضمان دمج النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في الاقتصاد الرسمي، مما يعزز الشمولية والعدالة. ويدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مسارات التنمية المستدامة للمملكة، والتي تتوافق مع الجدول الزمني لتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي 2022-2033. تهدف هذه الجهود المشتركة إلى بناء بيئة استثمارية تعزز النمو الاقتصادي مع الحفاظ على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
تقييم وطني شامل لمبادئ الأمم المتحدة
بدأ الأردن تقييماً وطنياً شاملاً (NBA) يهدف إلى دمج مبادئ حقوق الإنسان في أطر الاستثمار وحوكمة الشركات. ويعمل هذا التقييم على تفعيل الركائز الأساسية الثلاث لمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs)، والتي تشمل واجب الدولة في الحماية من خلال التنفيذ التنظيمي، ومسؤولية الشركات في الاحترام عبر العناية الواجبة الصارمة في مجال حقوق الإنسان، وتوفير سبل انتصاف قضائية وغير قضائية فعالة. ويُعد التقييم الوطني الشامل أداة تحليلية ترصد الثغرات التشريعية والفروقات التشغيلية على المستوى الميداني، مما يمهد الطريق لتطوير سياسات أكثر فعالية.
كما تضمنت الإجراءات الفنية لعملية التقييم الوطني الشامل، تقييم الإطار القانوني المحلي في الأردن مقابل معايير الامتثال الدولية. وشملت الإجراءات أيضاً تحليلاً لآليات العناية الواجبة للشركات، وتتبع المساءلة في سلاسل التوريد، والدفاع عن الحق في بيئة نظيفة، ومراجعة التزام القطاع الخاص بتفويضات المساواة. وتهدف هذه الخطوات إلى ضمان تطبيق شامل لمبادئ حقوق الإنسان في جميع القطاعات الاقتصادية، وتحقيق التوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
آليات التنفيذ وضمان المساءلة
عقد المركز الوطني لحقوق الإنسان (NCHR) منتدى تشاورياً وطنياً بالتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). يهدف هذا المنتدى إلى تعزيز دمج حقوق الإنسان في أطر الاستثمار وحوكمة الشركات في الأردن، ويمثل خطوة أساسية نحو تحقيق الأهداف المرجوة.
يقوم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتمويل برامج بناء القدرات المؤسسية داخل المركز الوطني لحقوق الإنسان. تهدف هذه البرامج إلى الارتقاء بالدعوة لحقوق الإنسان، وتحسين شفافية البيانات، وتسهيل الحوار المتعدد الأطراف المنظم لضمان تطبيق فعال للمبادئ.
قامت ديانا جمیزات، المنسق الأقدم للبرنامج في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتقديم إحاطة حول المعايير العالمية لمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs). تناولت الإحاطة أهمية هذه المعايير في توجيه الشركات والحكومات نحو ممارسات مسؤولة، مؤكدة على ضرورة الالتزام بها لتحقيق التنمية المستدامة.
كما قيمت الجلسة الختامية إمكانية الوصول إلى سبل الانتصاف، حيث ناقشت دور وزارة العدل في تسريع سبل الانتصاف القضائية. وتطرقت المناقشات إلى قدرة المجتمع المدني على الرصد، ونشر أدوات بديلة لتسوية المنازعات غير القضائية (ADR) لضمان توفر آليات فعالة للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان، مما يعزز المساءلة ويضمن العدالة.
مؤتمرات إقليمية واستشراف المستقبل
شارك الأردن في الحوار الافتتاحي لعام 2024 حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في الدوحة، مما يمثل خطوة نحو تعزيز مكانته الإقليمية في هذا المجال. ويؤسس هذا الحوار أساساً لخطة العمل الوطنية المرتقبة للأردن بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، والتي تهدف إلى إضفاء الطابع المؤسسي على مساءلة الشركات وضمان التزامها بالمعايير الدولية.
كما سيستضيف الأردن الحوار الإقليمي الثالث حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في الدول العربية، والمقرر عقده يومي 17 و18 يونيو 2026 في عمان. ويأتي هذا الاستضافة في إطار الجهود المتواصلة للمملكة لتعزيز ممارسات الاستثمار المسؤول وحوكمة الشركات التي تدمج مبادئ حقوق الإنسان. وتهدف هذه المبادرات إلى تبادل الخبرات ووضع استراتيجيات مشتركة لضمان التزام القطاع الخاص بمعايير حقوق الإنسان، بما يسهم في بناء بيئة أعمال أكثر عدلاً وشفافية في المنطقة.