حافظ الأردن على استقرار الأسعار وقوة الشراء خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وذلك في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتزايدة. بلغ متوسط التضخم في البلاد 1.88% خلال هذه الفترة الممتدة من بداية العام وحتى نهاية شهر مايو، في إشارة واضحة إلى فعالية الإجراءات الحكومية المتخذة بهذا الصدد، والتي تستهدف الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي وحماية المواطنين من تقلبات الأسواق العالمية.
تضمنت هذه الإجراءات الحكومية مجموعة من السياسات المحكمة التي أسهمت في تخفيف الضغوط التضخمية. وشملت هذه التدابير إدارة تكاليف الوقود بشكل فعال، والعمل المستمر على تخفيض نفقات الشحن التي تعد عنصراً رئيسياً في تحديد أسعار السلع المستوردة، بالإضافة إلى ضمان استمرارية توفر السلع الأساسية في الأسواق المحلية بكميات كافية وبأسعار مناسبة. تهدف هذه التدابير المتكاملة إلى التخفيف من تأثير التقلبات الاقتصادية العالمية على القدرة الشرائية للمواطنين الأردنيين، والحفاظ على استقرار الأسعار في مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية، مما يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني.
استقرار التضخم مقارنة بالتوجهات العالمية
يُظهر الأداء الاقتصادي الأردني تفوقاً ملحوظاً في مجال استقرار الأسعار مقارنة بالعديد من الاقتصادات العالمية. فقد سجل متوسط التضخم في الأردن 1.88% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وهو ما يعكس استمرار النهج الحصيف في إدارة السياسات الاقتصادية. وبالنظر إلى الفترة السابقة، سجل متوسط التضخم في المملكة 1.97% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، مما يدل على اتساق في الأداء على مدى السنوات.
وعلى نطاق أوسع، وخلال السنوات الخمس الماضية، بلغ متوسط معدل التضخم في المملكة 2.198%. ويأتي هذا المعدل أقل بكثير من متوسط التضخم العالمي للفترة نفسها، والذي وصل إلى 5.194%، مما يسلط الضوء على نجاح الأردن في عزل اقتصاده نسبياً عن الصدمات الخارجية. وقد شهدت معدلات التضخم في الأردن ذروتها عند 4.23% في عام 2022، وهو العام الذي شهد ضغوطاً تضخمية عالمية غير مسبوقة. في المقابل، وصلت معدلات التضخم العالمية إلى ذروتها في نفس العام، مسجلة حوالي 7.19%، مما يبرز التباين الواضح بين الأداء الاقتصادي المحلي والتوجهات العالمية، ويؤكد على فعالية السياسات المتبعة في المملكة.
سياسات نقدية ومالية داعمة للاقتصاد
لعب البنك المركزي الأردني (CBJ) دوراً محورياً في دعم استقرار الأسعار وحماية الاقتصاد. فقد دعم البنك المركزي الأردني استقرار الأسعار من خلال تطبيق سياسات نقدية مرنة، تضمنت تكييف أسعار الفائدة بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية، وإدارة السيولة في السوق المصرفي بكفاءة عالية، بالإضافة إلى الحفاظ على احتياطيات قوية من العملات الأجنبية. تأتي هذه الإجراءات ضمن سياسته النقدية الشاملة الهادفة إلى التحكم في التضخم وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، وذلك في سياق يواجه فيه العديد من الدول تحديات اقتصادية عالمية معقدة. وقد ساهمت هذه التدابير الاستباقية في حماية القوة الشرائية للمواطنين وتوفير بيئة مالية مستقرة وجاذبة للاستثمار.
وفي هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي حسام عايش إلى أهمية بعض القرارات التي اتخذها البنك المركزي. وأوضح عايش أن تخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي، وهو إجراء يهدف إلى تحفيز الإقراض المصرفي، أدى إلى ضخ حوالي 760 مليون دينار أردني من السيولة الإضافية في السوق المحلي. وأكد عايش أن هذه الخطوة "دعمت القطاع الخاص"، مما يعكس الأثر المباشر للسياسات النقدية في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية وزيادة قدرة الشركات على التوسع والنمو. وتهدف هذه السيولة الإضافية إلى تحفيز الإقراض وتوفير التمويل اللازم للمشاريع والشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، مما يسهم بدوره في خلق فرص العمل الجديدة وزيادة الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد.
مرونة سلاسل الإمداد وأمن الغذاء
كان لتعزيز أمن الغذاء دور أساسي في الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفر السلع. عززت التوجيهات الملكية السامية أمن الغذاء وزادت من حجم الاستثمار في الصناعات الغذائية المحلية، مما ساهم بشكل مباشر وفعال في دعم استقرار توفر السلع الأساسية في الأسواق المحلية. تأتي هذه الجهود الحثيثة في إطار المساعي المستمرة لضمان الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، خاصة في ظل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية.
واستمرت قطاعات رئيسية مثل الزراعة والصناعة في العمل بنشاط وكفاءة عالية، محافظةً على إمدادات كافية من المواد الغذائية لتلبية احتياجات السوق الأردني المتزايدة. وقد أسهم هذا الاستمرار في الإنتاج المحلي والتوريد المنتظم في تخفيف الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، التي شهدت اضطرابات كبيرة في السنوات الأخيرة، وضمان استقرار الأسعار للمستهلكين، وذلك في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم بأسره. هذا التركيز على الإنتاج المحلي يعزز من مرونة الاقتصاد الأردني وقدرته على مواجهة الأزمات.
الاحتياطيات الاستراتيجية وقدرة التمويل
تعتبر احتياطيات الأردن من العملات الأجنبية ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية. توفر احتياطيات الأردن من العملات الأجنبية قدرة استراتيجية حيوية لتمويل الواردات الضرورية وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين والقطاعات الاقتصادية. وفي هذا الصدد، أشار الخبير الاقتصادي حسام عايش إلى أن احتياطيات الأردن من العملات الأجنبية "توفر قدرة استراتيجية لتمويل الواردات وتأمين الاحتياجات الأساسية، مما يساعد على حماية المستهلكين والحفاظ على استقرار السوق خلال حالة عدم اليقين الإقليمية والعالمية". هذه الاحتياطيات تمنح المملكة هامش أمان كبيراً وتؤكد على متانة موقفها المالي في وجه التقلبات الاقتصادية العالمية والإقليمية.