يستضيف الأردن المؤتمر الاستثماري الأردني الأوروبي في 19 نوفمبر/تشرين الثاني بمنطقة البحر الميت، بهدف تعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا المؤتمر كمنصة حيوية لتبادل الخبرات وتحديد الفرص الاستثمارية الواعدة بين الأردن والاتحاد الأوروبي. يركز المؤتمر على أربعة مجالات ذات أولوية ضمن إطار الشراكة، تشمل تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية الجيدة، وتمكين المرأة، وتوسيع البنية التحتية، وتعزيز التماسك الاجتماعي. وتُعد هذه المجالات ركائز أساسية للتنمية المستدامة والشاملة، وتساهم في هذه الجهود الوكالة الإسبانية للتعاون الإنمائي الدولي (AECID)، التي تتولى تنفيذ برنامج التعاون الإنمائي الدولي لإسبانيا، مما يؤكد التزام إسبانيا بدعم هذه الأهداف المشتركة.
تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية
شهدت الصادرات الإسبانية إلى الأردن تراوحاً بين 300 مليون و 400 مليون يورو سنوياً على مدار العقد الماضي، مما يعكس مستوى النشاط التجاري القوي والمستمر بين البلدين. هذا الرقم يبرز حجم التبادل السلعي الذي يشكل جزءاً أساسياً من العلاقات الاقتصادية الثنائية، ويعكس اهتمام الشركات الإسبانية بالسوق الأردنية. وتُعد هذه الصادرات مؤشراً على اهتمام الشركات الإسبانية بالسوق الأردنية، حيث تتنوع المنتجات والخدمات التي تقدمها الشركات الإسبانية لتلبية احتياجات السوق المحلية، بدءاً من الآلات والمعدات وصولاً إلى المنتجات الزراعية والغذائية. كما أن استقرار هذه الأرقام على مدى عشر سنوات يوحي بوجود شراكة تجارية مستمرة وموثوقة بين الطرفين، مبنية على أسس قوية من الثقة والتعاون.
في المقابل، بلغت واردات الأردن من إسبانيا ما بين 40 مليون و 80 مليون يورو سنوياً خلال العقد الماضي، مما يشير إلى وجود فجوة تجارية بين البلدين. هذه الأرقام تظهر أن الميزان التجاري يميل لصالح إسبانيا بشكل ملحوظ، الأمر الذي قد يدعو إلى استكشاف سبل لزيادة الصادرات الأردنية إلى السوق الإسبانية. وتوضح البيانات أن هناك إمكانية لتعزيز التبادل التجاري في كلا الاتجاهين من خلال تنويع المنتجات الأردنية المعروضة وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الأوروبية، وخاصة في قطاعات مثل المنتجات الزراعية ذات الجودة العالية، والمنتجات الصناعية المتخصصة، والخدمات اللوجستية والسياحية.
منذ عام 2010، نجحت شركات الاستشارات والهندسة الإسبانية في الحصول على عقود في الأردن بقيمة تراكمية تجاوزت 840 مليون يورو. هذه العقود تسلط الضوء على الدور المتنامي للخبرات الإسبانية في تطوير البنية التحتية والمشاريع التنموية في الأردن، وتؤكد على الثقة التي توليها الجهات الأردنية للشركات الإسبانية في تنفيذ مشاريع حيوية. وقد شملت هذه المشاريع قطاعات متعددة، مما يعزز من مكانة إسبانيا كشريك موثوق في قطاعي الاستشارات والهندسة. ويُعد هذا التعاون دليلاً على الكفاءة المهنية والتقنية التي تتمتع بها الشركات الإسبانية، وقدرتها على تقديم حلول مبتكرة ومستدامة.
مثلت مشاريع الطاقة المتجددة، بما في ذلك طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ما يقرب من 60 بالمائة من القيمة الإجمالية للعقود التي حصلت عليها الشركات الإسبانية في الأردن منذ عام 2010. هذا التركيز على الطاقة المتجددة يعكس التوجه الأردني نحو الاستدامة وتنويع مصادر الطاقة، ويبرز الخبرة الإسبانية في هذا القطاع الحيوي. وتساهم هذه المشاريع في تحقيق أهداف الأردن في مجال الطاقة النظيفة، وتوفير فرص للتعاون المستقبلي في هذا المجال المتنامي، بما في ذلك تطوير حلول تخزين الطاقة والشبكات الذكية. ويُظهر هذا التوجه المشترك التزام البلدين بمواجهة تحديات التغير المناخي وتعزيز الأمن الطاقوي.
كما تحافظ أكثر من 700 شركة إسبانية على علاقات تجارية منتظمة مع شركات أردنية. هذا العدد الكبير من الشركات يؤكد على عمق الروابط الاقتصادية وتنوعها بين البلدين، ويشير إلى وجود شبكة واسعة من الشراكات التجارية التي تشمل قطاعات مختلفة. وتعمل هذه الشركات على بناء جسور اقتصادية قوية تساهم في تعزيز التبادل التجاري والاستثماري بين إسبانيا والأردن، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجالات مثل التكنولوجيا، والخدمات، والصناعات التحويلية. وتُعد هذه العلاقات المنتظمة دليلاً على البيئة الاستثمارية الجاذبة في الأردن والثقة التي تضعها الشركات الإسبانية في السوق الأردنية.
إطار شراكة جديد بين الأردن وإسبانيا
يستعد الأردن وإسبانيا لإعداد إطار شراكة جديد للتعاون يغطي الفترة من 2026 إلى 2030، وذلك في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. ويأتي هذا التطور ليؤكد على استمرارية وتعميق التعاون في مجالات مختلفة، مع التركيز على الأهداف التنموية المشتركة. ومن المتوقع أن يحدد الإطار الجديد أولويات التعاون ومجالاته الرئيسية خلال السنوات الخمس المقبلة، مما يعكس التزام الطرفين بالعمل المشترك لتحقيق التنمية المستدامة. هذا الإعداد يعكس رؤية مستقبلية لتعزيز الشراكة التي تتجاوز المبادرات الحالية، وتهدف إلى بناء أساس متين للعلاقات طويلة الأمد، وتحديد خارطة طريق واضحة للتعاون المستقبلي.
وفي سياق متصل، تم تصنيف الأردن كدولة ذات أولوية ضمن برنامج إسبانيا للتعاون الإنمائي الدولي. ويؤكد هذا التصنيف على الأهمية الاستراتيجية التي توليها إسبانيا للأردن كشريك في المنطقة، وعلى التزامها بدعم جهود التنمية الأردنية. ويشير هذا التعيين إلى أن الأردن سيستفيد من مجموعة واسعة من مبادرات وبرامج التعاون الإنمائي التي تقدمها إسبانيا، والتي تهدف إلى دعم القطاعات الحيوية وتحقيق الأهداف التنموية في مجالات مثل التعليم، والصحة، والمياه، والبيئة. ويعزز هذا التصنيف مكانة الأردن كوجهة رئيسية للاستثمار والتعاون الإنمائي الإسباني، ويفتح الباب أمام المزيد من المشاريع المشتركة التي تعود بالنفع على الشعبين.
روابط ثقافية وتعليمية عميقة
وقعت الأردن وإسبانيا اتفاقية تعاون العام الماضي بين مسارات الحج الخاصة بهما، وهما طريق سانتياغو (Camino de Santiago) وطريق إيجيريا (Camino de Egeria). وتهدف هذه الاتفاقية إلى تعزيز التبادل الثقافي والسياحة الدينية بين البلدين، مما يعكس الروابط التاريخية المشتركة. ويُعد توقيع هذه الاتفاقية دليلاً على التقدير المتبادل للتراث الثقافي والديني الغني لكل من الأردن وإسبانيا، ويسهم في إثراء تجربة الزوار من كلا البلدين.
يُذكر أن طريق إيجيريا سُمي تيمناً بإيجيريا، وهي امرأة إسبانية ورحالة زارت المواقع المقدسة في الأردن خلال القرن الرابع الميلادي. يبرز هذا التسمية العمق التاريخي للعلاقات الثقافية والدينية التي تمتد لقرون بين المنطقتين، وتؤكد على الروابط الإنسانية التي سبقت العلاقات الدبلوماسية الحديثة. وتُعد قصة إيجيريا شاهداً على التواصل الحضاري القديم بين شبه الجزيرة الإيبيرية وبلاد الشام، وتلهم الأجيال الجديدة لاستكشاف هذه الروابط التاريخية.
وفي سياق تعزيز الروابط الثقافية، ساهم معهد سرفانتس (Instituto Cervantes) في عمان على مدار عقود في تدريس اللغة الإسبانية والترويج لها. ويعمل المعهد على نشر الثقافة الإسبانية في الأردن، مما يعزز الفهم المتبادل بين الشعبين، ويقدم برامج تعليمية وفعاليات ثقافية متنوعة. وقد أصبح المعهد مركزاً حيوياً للتبادل الثقافي، يجمع الأردنيين والإسبان حول شغف مشترك باللغة والفنون.
درس المئات من الطلاب الأردنيين الطب والهندسة في إسبانيا منذ ستينيات القرن الماضي. يشير هذا التبادل التعليمي إلى تاريخ طويل من التعاون الأكاديمي، وقد أسهم في بناء جسور معرفية وثقافية بين الأردن وإسبانيا. وقد عاد هؤلاء الخريجون إلى الأردن ليساهموا في بناء وطنهم، حاملين معهم الخبرات والمعارف التي اكتسبوها في إسبانيا، مما يعمق الروابط المهنية والشخصية بين البلدين.
التزام إسباني بالحل السياسي
أكدت إسبانيا مجدداً التزامها بتطبيق حل الدولتين، وذلك تماشياً مع إعلان نيويورك. يأتي هذا التأكيد في سياق يبرز اهتمام إسبانيا بالحلول السياسية للصراعات الإقليمية، ودعمها للمبادرات الدولية الهادفة إلى تحقيق الاستقرار. ويشكل إعلان نيويورك مرجعية مهمة لهذه السياسة، حيث يحدد الأطر والمبادئ التي تستند إليها إسبانيا في مواقفها الدبلوماسية. هذا الموقف يعكس رؤية إسبانيا لدورها في تعزيز السلام والأمن على الساحة الدولية، خاصة في المناطق التي تشهد توترات سياسية، ويؤكد على أهمية القانون الدولي والقرارات الأممية في تسوية النزاعات.