الأردن بحاجة إلى مؤشر السيادة الاقتصادية لقياس التقدم نحو الاستقلال الاقتصادي

الصورة عبر News

يسعى الأردن إلى تعزيز استقلاله الاقتصادي من خلال تطوير مؤشر وطني مركب يقيس التقدم نحو السيادة الاقتصادية. يُقترح أن يُنشر هذا المؤشر، المسمى مؤشر السيادة الاقتصادية الأردنية (JESI)، سنوياً لتقييم قدرة البلاد على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل نقاط الضعف الاستراتيجية، وتعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية. تعرّف السيادة الاقتصادية بأنها قدرة الأمة على توليد المعرفة، وتعميق قاعدتها الصناعية، وتنويع اقتصادها، وإتقان التكنولوجيا، وتأمين احتياجاتها الاستراتيجية، والبقاء مندمجة في الاقتصاد العالمي من موقع قوة. يؤكد الداعمون لهذه المبادرة أن الرحلة نحو تحقيق السيادة الاقتصادية تبدأ بقياس ما يهم حقاً، مما يجعل تأسيس JESI أمراً ضرورياً لمراقبة التقدم.

مفهوم السيادة الاقتصادية في عالم متغير

لم تعد السيادة الاقتصادية تعني بالضرورة إنتاج كل ما يستهلكه البلد أو عزل نفسه عن التجارة العالمية. بدلاً من ذلك، تطورت المفاهيم لتشمل أبعاداً جديدة تتناسب مع الاقتصاد العالمي المترابط، حيث إن السيادة الاقتصادية لم تعد تتعلق بالانعزال أو الاكتفاء الذاتي المطلق، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة في بيئة عالمية متشابكة. فقد أصبحت مفاهيم مثل السيادة التكنولوجية، والاستقلالية الاستراتيجية، ومرونة سلاسل التوريد، ركائز أساسية للسياسة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والعديد من الاقتصادات الأخرى. هذه المفاهيم الجديدة تعكس الحاجة إلى بناء اقتصادات قادرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية، مع الاستفادة من مزايا التكامل الاقتصادي العالمي.

يسعى الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، إلى تحقيق ما يسميه "الاستقلالية الاستراتيجية المفتوحة" ("Open Strategic Autonomy")، وهي استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على فوائد الاقتصاد المفتوح مع تقليل الاعتماد على موردين أو أسواق أو تقنيات منفردة. هذا التوجه يعكس رغبة في تحقيق التوازن بين الانفتاح الاقتصادي وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط، مما يضمن قدرة الاتحاد على حماية مصالحه الاقتصادية والأمنية دون الانغلاق على نفسه. تتضمن هذه الاستراتيجية تعزيز القدرات الداخلية في القطاعات الحيوية، وتنويع الشركاء التجاريين، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة وقدرة على التكيف.

في سياقات أخرى، استثمرت دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة بشكل كبير في المعرفة والتكنولوجيا والصناعات ذات القيمة المضافة العالية، معتبرة إياها أسساً لسيادتها الاقتصادية. هذه الاستثمارات مكنت هذه الدول من بناء اقتصادات قوية ومبتكرة قادرة على المنافسة عالمياً، وتحقيق مستويات عالية من الازدهار والقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي. لقد أدركت هذه الدول أن السيادة الاقتصادية الحديثة ترتكز على الابتكار والقدرة التنافسية في القطاعات المتقدمة، وليس فقط على الموارد التقليدية.

على الصعيد المحلي، يواجه الأردن تحديات هيكلية متعددة تعيق مسيرته نحو تعزيز سيادته الاقتصادية. تشمل هذه التحديات محدودية الموارد الطبيعية، والاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة، وشح المياه الحاد، وارتفاع الدين العام، بالإضافة إلى قاعدة إنتاجية ضيقة نسبياً. هذه العوامل تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة ومتكاملة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي، حيث ينبغي أن تركز السيادة الاقتصادية في الأردن على تعزيز القدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل نقاط الضعف الاستراتيجية، وتعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية. إن معالجة هذه التحديات يتطلب استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.

الحاجة إلى مؤشر وطني للسيادة الاقتصادية

يُلاحظ غياب أداة موضوعية لقياس التقدم نحو السيادة الاقتصادية في النقاش الاقتصادي الأردني، مما يجعل تقييم الجهود المبذولة في هذا الصدد أمراً صعباً. يسعى مقترح مؤشر السيادة الاقتصادية الأردنية (JESI) إلى سد هذه الفجوة من خلال توفير إطار كمي لتقييم مدى تحقيق الأهداف المتعلقة بالاستقلال الاقتصادي. يُفترض أن يقوم مؤشر JESI بتقييم قوة الاقتصاد الأردني وقدرته على تحمل المخاطر الخارجية المتزايدة، مثل تقلبات الأسعار العالمية، والصدمات الجيوسياسية، والتغيرات في سلاسل الإمداد الدولية. هذا المؤشر سيوفر للحكومة وصناع القرار أداة قيمة لتحديد المجالات التي تتطلب المزيد من الاهتمام والاستثمار، ولتقييم فعالية السياسات الاقتصادية المطبقة.

أصبحت المؤشرات المركبة أداة أساسية بشكل متزايد لتقييم الأداء وصياغة السياسات القائمة على الأدلة والتخطيط الاستراتيجي طويل الأجل على مستوى العالم. تتيح هذه المؤشرات دمج مجموعة واسعة من البيانات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في مقياس واحد وشامل، مما يوفر رؤية أعمق وأكثر تكاملاً للوضع الاقتصادي. إن استخدام مؤشر مركب مثل JESI يمكن أن يساعد الأردن في تحديد نقاط القوة والضعف في اقتصاده بشكل أكثر دقة، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً. يمتلك الأردن فرصة حالية، في ظل رؤية التحديث الاقتصادي والإصلاحات الجارية، لبناء اقتصاد أكثر سيادة ومرونة وتنافسية، وذلك من خلال تبني أدوات قياس حديثة وموضوعية مثل مؤشر السيادة الاقتصادية. هذا المؤشر يمكن أن يكون بمثابة بوصلة توجه الجهود الوطنية نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي المنشود.

أركان مؤشر السيادة الاقتصادية الأردني المقترح

صُمّم المؤشر المقترح للسيادة الاقتصادية الأردنية حول ستة أركان رئيسية، هي سيادة الإنتاج، والسيادة المالية، والسيادة التجارية، والسيادة التكنولوجية، وسيادة الموارد الاستراتيجية، وسيادة رأس المال البشري. يهدف كل ركن إلى قياس جانب محدد من استقلال الأردن الاقتصادي ومرونته، مما يوفر تقييماً شاملاً ومتكاملاً للوضع الاقتصادي للبلاد.

يشمل ركن سيادة الإنتاج مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، والقيمة المضافة الصناعية، وحصة الصادرات ذات التقنية العالية، بالإضافة إلى مؤشر التعقيد الاقتصادي. يهدف هذا الركن إلى تقييم قدرة الأردن على إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة عالية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في القطاعات الحيوية، وتعزيز القدرة التنافسية لمنتجاته في الأسواق العالمية.

بينما يغطي ركن السيادة المالية الدين العام والخارجي، واحتياطيات النقد الأجنبي، والميزان المالي، وقدرة الاقتصاد على تمويل الاستثمار من خلال الموارد المحلية. هذا الركن يقيس مدى استقلالية الأردن في إدارة شؤونه المالية، وقدرته على تمويل احتياجاته التنموية دون الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي، مما يعزز الاستقرار المالي للدولة.

أما ركن السيادة التجارية، فيقيس تنويع أسواق الصادرات، والاعتماد على شركاء تجاريين فرديين، ومرونة سلاسل التوريد، والقدرة على الحفاظ على تدفقات التجارة خلال الاضطرابات العالمية. يهدف هذا الركن إلى تقييم مدى قدرة الأردن على حماية مصالحه التجارية في ظل التحديات العالمية، وتوسيع قاعدة شركائه التجاريين لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق محدودة.

ويتناول ركن السيادة التكنولوجية الإنفاق على البحث والتطوير، وتوليد براءات الاختراع، وأداء الابتكار، والقدرة على تطوير التكنولوجيا وامتصاصها ونقلها. هذا الركن حيوي لتقييم قدرة الأردن على التكيف مع التطورات التكنولوجية العالمية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، مما يعزز قدرته التنافسية على المدى الطويل.

ويركز ركن سيادة الموارد الاستراتيجية على الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وأمن المياه، وهي عناصر حيوية للاستقرار الوطني. يهدف هذا الركن إلى تقييم مدى قدرة الأردن على تأمين احتياجاته الأساسية من الموارد الحيوية، وتقليل اعتماده على المصادر الخارجية، مما يعزز من مرونته في مواجهة الأزمات.

ويشمل ركن سيادة رأس المال البشري جودة التعليم، وإنتاجية العمل، ومهارات القوى العاملة، والقدرة على الابتكار. هذا الركن يعكس أهمية الاستثمار في العنصر البشري كقوة دافعة للنمو الاقتصادي والابتكار، ويقيم مدى جاهزية القوى العاملة الأردنية للمساهمة في بناء اقتصاد حديث ومستدام. هذه الأركان مجتمعة توفر إطاراً شاملاً لتقييم التقدم نحو تحقيق السيادة الاقتصادية في الأردن.

الفوائد والمقارنات الدولية للمؤشر

يمكن أن يتيح نشر مؤشر السيادة الاقتصادية الأردنية (JESI) سنوياً إجراء مقارنات ذات مغزى بين الأردن ودول أخرى مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وإستونيا وماليزيا والإمارات العربية المتحدة. هذه المقارنات ستوفر معايير لتقييم أداء الأردن الاقتصادي وتقدمه نحو الاستقلال الاقتصادي. سيسهم المؤشر في تحديد المجالات التي يمكن للأردن أن يتعلم فيها من تجارب هذه الدول، والتي حققت مستويات مختلفة من السيادة الاقتصادية من خلال استراتيجيات متنوعة. كما سيسهل المؤشر رصد التغيرات في الوضع الاقتصادي للأردن مع مرور الوقت، وتقديم تقييمات دورية للتقدم المحرز في كل ركن من أركان السيادة الاقتصادية. هذه المقارنات الدولية ستكون حاسمة في تحديد أفضل الممارسات وتكييفها لتناسب السياق الأردني، مما يدعم جهود التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة.