يحتفل الأردن هذا العام باليوم الوطني الأردني، الذي يُعرف أيضاً بيوم الفخر ويوم احتضان الأردن للملكية الدستورية المستنيرة. ويأتي هذا الاحتفال في 25 مايو 2026 في العاصمة عمّان، حيث يحيي الأردنيون الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية. يُعدّ عيد الاستقلال مناسبة وطنية تُخلّد ذكرى تأسيس الدولة أو تحررها من الحكم الأجنبي، وهو يومٌ تُستذكر فيه التضحيات والإنجازات التي قادت إلى قيام الدولة المستقلة. وفي هذا السياق، يحتفل الأردن بميلاد دولته المستقلة وميلاد الملكية الدستورية المستنيرة التي أرست دعائم حكمه، مؤكداً على استمرارية مسيرة البناء والتطوير. هذا الاحتفال السنوي يعكس فخر الأمة بتاريخها الحافل بالصمود والتحدي، ويجدد العهد بمواصلة مسيرة التقدم والازدهار تحت راية قيادتها الهاشمية.
من الحكم العثماني إلى الانتداب البريطاني: جذور الدولة الحديثة
كان الأردن جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لعدة قرون، امتدت سيطرتها على المنطقة من عام 1516 وحتى عام 1918. خلال هذه الفترة الطويلة، شهدت المنطقة تحولات سياسية واجتماعية عديدة، لكنها بقيت تحت مظلة الحكم العثماني. شكل عام 1916 نقطة تحول تاريخية، حيث شهد تحرير الأراضي التي تشكل الأردن حاليًا من السيطرة العثمانية، وذلك من خلال أحداث الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف حسين بن علي من مكة. لم تكن هذه الثورة مجرد حركة عسكرية، بل كانت تعبيراً عن تطلعات الشعوب العربية نحو الاستقلال والتحرر، وشكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة، ممهدةً الطريق لتشكيل الكيانات السياسية الجديدة. كانت الثورة العربية الكبرى بمثابة الشرارة التي أشعلت جذوة التحرر من الحكم العثماني، وأسست لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، حيث بدأت ملامح الدولة الأردنية الحديثة تتشكل تدريجياً.
تأسست إمارة شرق الأردن في 11 أبريل 1921، على يد الأمير عبد الله بن حسين، الذي وصل إلى معان في نوفمبر 1920 قبل أن يتوجه إلى عمّان. كانت هذه الخطوة بمثابة إرساء للأسس الأولى للدولة الأردنية الحديثة، حيث بدأ الأمير عبد الله في بناء الإدارة والمؤسسات. في عام 1922، أصبحت إمارة شرق الأردن محمية بريطانية، وذلك بموجب انتداب عصبة الأمم. وضع هذا الانتداب الإدارة البريطانية مسؤولة عن الإمارة، مع الحفاظ على درجة من الحكم الذاتي الداخلي، مما سمح للأمير عبد الله بمواصلة جهوده في بناء الدولة. خلال هذه الفترة، عمل الأمير عبد الله بن حسين على تشكيل حكومات وإدارات محلية، ووضع القوانين والتشريعات التي شكلت البنية التحتية للدولة الناشئة، مما مهد الطريق للاستقلال التام لاحقاً.
خلال فترة الانتداب البريطاني على شرق الأردن، تم تشكيل الجيش العربي (Arab Legion). تأسس هذا الكيان العسكري تحت القيادة البريطانية، ليكون قوة لحفظ الأمن والنظام في الإمارة. لعب الجيش العربي دوراً محورياً في ترسيخ الأمن والاستقرار في شرق الأردن، وساهم في بناء القدرات الدفاعية للإمارة، ليصبح لاحقًا نواة القوات المسلحة الأردنية التي نعرفها اليوم. كان تأسيس الجيش العربي خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن الداخلي وضمان استقرار الإمارة في ظل التحديات الإقليمية والدولية. وقد ساهمت هذه القوة العسكرية في صياغة الهوية الوطنية للأردن، حيث كانت جزءاً لا يتجزأ من مسيرة بناء الدولة ومؤسساتها.
مسار الاستقلال وتأسيس المملكة: الانتقال إلى السيادة الكاملة
تُوجت مفاوضات استقلال الأردن بعد الحرب العالمية الثانية بالتوقيع على معاهدة لندن عام 1946. حددت هذه المعاهدة الإطار القانوني لإنهاء الانتداب البريطاني ومهدت الطريق لقيام دولة مستقلة ذات سيادة كاملة. كانت هذه المعاهدة تتويجاً لسنوات من الجهود الدبلوماسية والسياسية التي قادها الهاشميون، بهدف تحقيق الاستقلال التام للأردن. مثلت معاهدة لندن نقطة تحول حاسمة في تاريخ الأردن، حيث انتقلت البلاد بموجبها من وضع الانتداب إلى دولة ذات سيادة كاملة ومعترف بها دولياً. وقد جاء هذا الإنجاز تتويجاً لكفاح طويل وجهود مضنية بذلها القادة الأردنيون والشعب الأردني على حد سواء.
كما نصت معاهدة لندن لعام 1946 على تحويل إمارة شرق الأردن إلى المملكة الأردنية الهاشمية، لتتغير بذلك طبيعة الكيان السياسي من إمارة تحت الانتداب إلى مملكة مستقلة وذات سيادة. وقد جاء هذا التحول ليؤكد السيادة الكاملة للدولة الأردنية الجديدة على أراضيها وشؤونها الداخلية والخارجية، ويضعها على قدم المساواة مع الدول المستقلة الأخرى في المجتمع الدولي. هذا التغيير في المسمى والشكل السياسي لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل كان يعكس حقيقة أن الأردن أصبح دولة مستقلة بالكامل، قادرة على إدارة شؤونها بنفسها وتحديد مصيرها. وقد عزز هذا التحول مكانة الأردن على الساحة الدولية كدولة ذات سيادة وكيان سياسي راسخ.
ساهم الانتداب البريطاني في بناء الأردن كدولة حديثة ذات مؤسسات راسخة وجيش منظم. فخلال هذه الفترة، تم تشكيل هياكل إدارية وسياسية أسهمت في ترسيخ أسس الدولة، كما تم تطوير الجيش العربي الذي أصبح فيما بعد نواة القوات المسلحة الأردنية. وقد وفرت هذه التطورات بنية تحتية مؤسسية مكنت الأردن من الانتقال إلى مرحلة الاستقلال بأسس قوية نسبياً، مما سهل عملية بناء الدولة بعد الاستقلال. على الرغم من كونها فترة انتداب، إلا أنها شهدت وضع اللبنات الأولى للدولة الحديثة، من خلال إنشاء المحاكم، وتطوير البنية التحتية، وتنظيم الإدارة المدنية، مما أرسى قاعدة صلبة لمرحلة ما بعد الاستقلال.
بناء الدولة الحديثة والمؤسسات: ترسيخ الهوية الوطنية
بعد مرحلة التأسيس، واصل الأردن بناء مؤسساته وتعزيز سيادته على الساحة الدولية. ففي عام 1955، أصبح الأردن عضوًا كاملاً في منظمة الأمم المتحدة، مما مثل خطوة مهمة نحو تثبيت مكانته كدولة مستقلة ذات سيادة في المجتمع الدولي. وجاء هذا الانضمام بعد سنوات من العمل الدبلوماسي والجهود الرامية إلى تعزيز استقلال المملكة والاعتراف بها كعضو فاعل في الأسرة الدولية. كان الانضمام إلى الأمم المتحدة بمثابة اعتراف رسمي من المجتمع الدولي بسيادة الأردن واستقلاله، وفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي والمشاركة في القضايا العالمية.
شهدت المؤسسة العسكرية الأردنية تحولًا محوريًا في مسار استقلال الدولة وتعزيز سيادتها. ففي الأول من مارس عام 1956، جرى تغيير اسم "الجيش العربي" (Arab Legion) إلى "الجيش العربي"، وذلك مع استبدال الضباط البريطانيين الكبار بضباط أردنيين. هذا التغيير رسخ الهوية الوطنية للجيش وعزز قيادته الأردنية بالكامل، ليصبح رمزًا للسيادة الوطنية والاستقلال التام عن أي تأثير أجنبي، ومؤكداً على أن الدفاع عن الأردن هو مسؤولية أبنائه. كانت هذه الخطوة، المعروفة باسم "تعريب قيادة الجيش العربي"، قراراً تاريخياً اتخذه جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، وعكست إرادة الأردن في بسط سيادته الكاملة على جميع مؤسساته، وخاصة العسكرية منها.
يُنسب إلى الجيش العربي، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، وإلى الأجهزة الأمنية، دورها في الحفاظ على أمن وسلامة الشعب الأردني. كما يُعتقد أنها تعمل على ترسيخ استقلال المملكة وحماية مكتسباتها الوطنية. هذه المؤسسات تُعتبر ركيزة أساسية في استقرار الدولة وحماية مكتسباتها الوطنية، وفقًا للادعاءات السائدة، وتلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والأمن الداخلي والخارجي للمملكة. إن التزام هذه المؤسسات بالولاء للوطن والقيادة الهاشمية هو ما يضمن استمرارية الأمن والاستقرار في البلاد، ويجعلها حصناً منيعاً في وجه التحديات المختلفة التي قد تواجهها المملكة.
في سياق بناء الدولة والمجتمع، استقبل الأردن اللاجئين الأرمن الذين سعوا إلى ملاذ آمن بعد الإبادة الجماعية التي تعرض لها 1.5 مليون أرمني على يد العثمانيين. وقد عكست هذه الاستضافة جانبًا من سياسة الأردن الإنسانية والتزامه بتقديم الدعم للمتضررين من الصراعات والكوارث الإنسانية، مما ساهم في تشكيل النسيج الاجتماعي للمملكة وأثرى تنوعها الثقافي. هذه السياسة الإنسانية هي جزء لا يتجزأ من قيم الأردن الأساسية التي تعتمد على التضامن والتعاون. إن هذه اللفتة الإنسانية التاريخية تعكس القيم المتجذرة في المجتمع الأردني، والتي تقوم على التسامح والتعايش واحترام الآخر، مما أسهم في بناء مجتمع متعدد الثقافات والأعراق.
السيادة، القيادة، والتعاون الدولي: مكانة الأردن في العالم
يُصنف الأردن كدولة مستقلة ذات قيادة حكيمة، تعكس صوت شعبها وتطلعاته، وفقاً لادعاءات سائدة. هذه القيادة الحكيمة، ممثلة بالملكية الدستورية المستنيرة، تسعى جاهدة لتحقيق التقدم والازدهار للمواطنين، مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي. كما يُحتفل باستقلال الأردن كدولة قائمة بحكم القانون والواقع، تعمل على خدمة مصالح شعبها وتوفير الحياة الكريمة له. هذا الاحتفال ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو تأكيد على استمرارية الدولة وقدرتها على التكيف والنمو في ظل التحديات المتغيرة. إن هذه الرؤية القيادية الحكيمة هي التي مكنت الأردن من تجاوز العديد من التحديات الإقليمية والدولية، والحفاظ على مكانته كنموذج للاستقرار والتنمية في المنطقة.
في سياق العلاقات الدولية، تتمتع المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المتحدة بتعاون بناء يشمل المستويات السياسية والتجارية والتعليمية. هذه العلاقة التاريخية، التي بدأت منذ فترة الانتداب، تطورت لتصبح شراكة استراتيجية تخدم مصالح البلدين في مختلف المجالات. كما تجذب المواقع الأثرية في الأردن سياحاً من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة، مما يعزز التبادل الثقافي والسياحي ويسهم في الاقتصاد الوطني. الأردن يفتخر بتراثه الغني وتاريخه العريق الذي يمتد لآلاف السنين، ويحرص على إبرازه للعالم. هذه الشراكة الاستراتيجية مع المملكة المتحدة تعكس عمق العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتساهم في تعزيز مكانة الأردن كشريك موثوق به على الساحة الدولية.
يستمر الأردن في مسيرة البناء والتطوير، معتمداً على إرثه التاريخي وقيمه الوطنية، ومستشرفاً مستقبلاً مشرقاً لشعبه. إن الاحتفال بالذكرى الثمانين للاستقلال هو مناسبة لتجديد العهد بالولاء للوطن والقيادة، ومواصلة العمل الدؤوب لتعزيز مكانة الأردن كدولة مستقلة ومزدهرة في المنطقة والعالم. هذا الاحتفال يمثل أيضاً فرصة للتأكيد على التزام الأردن بمبادئ العدالة والسلام والتعاون الدولي، ودوره الفاعل في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، مما يعزز صورته كدولة مؤثرة وذات رؤية واضحة لمستقبلها ومستقبل المنطقة.