نفذت القوات الجوية الأردنية في أوائل مايو/أيار عملية "ردع" استهدفت مواقع "تابعة لمهربي الأسلحة والمخدرات على طول الحدود الشمالية للمملكة". تأتي هذه العملية في إطار جهود مكثفة لمواجهة شبكات تهريب الكبتاغون. وقد أفادت تقارير بأن هذه العملية التي جرت في 3 مايو/أيار هي الضربة العسكرية الثالثة التي يشنها الأردن داخل سوريا منذ يوليو/تموز 2025. وتتركز هذه الجهود على الحدود الشمالية للأردن مع سوريا، حيث يُعتقد أن شبكات التهريب تستغل فراغ السلطة في بعض المناطق السورية لتمرير شحنات الكبتاغون والأسلحة.
في تفاصيل العملية، قامت القوات الجوية الأردنية بشن ضربات جوية دقيقة استهدفت بنية تحتية حيوية لعمليات التهريب. وقد أكد الجيش الأردني في 3 مايو/أيار أنه حدد واستهدف مصانع ومختبرات ومستودعات تستخدمها هذه المجموعات كنقاط انطلاق لعمليات داخل الأراضي الأردنية. ويأتي هذا الإعلان في سياق العمليات المستمرة التي تهدف إلى مكافحة تهريب المخدرات عبر الحدود. وتؤكد السلطات الأردنية أن هذه المواقع كانت تُستخدم لإنتاج وتخزين حبوب الكبتاغون، مشددة على أن استهدافها ضروري لحماية أمن الحدود والمجتمع من هذه الآفة المتنامية التي تهدد الاستقرار الإقليمي. هذه الضربات ليست مجرد رد فعل، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لتعطيل قدرات المهربين الذين يستفيدون من الفوضى في المناطق الحدودية السورية. كما أن استهداف هذه البنية التحتية يهدف إلى تقويض شبكات الدعم اللوجستي التي تمكن المهربين من نقل المواد الخام والمنتجات النهائية عبر الحدود، مما يعكس التزام الأردن الجاد بالتصدي لهذه التحديات الأمنية المتزايدة.
تطور تجارة الكبتاغون بعد سقوط النظام
خلال فترة الحرب الأهلية، برزت سوريا كالنقطة الرئيسية المنشأ لمعظم الكبتاغون المنتشر في المنطقة. وقد أدت حالة عدم الاستقرار والنزاعات المسلحة إلى تدهور سيطرة الدولة في بعض المناطق، مما سمح بانتشار أنشطة التصنيع والتهريب لهذه المادة المخدرة. وقد استفادت شبكات التهريب من الفوضى القائمة لتوسيع عملياتها، محوّلة أجزاء من الأراضي السورية إلى مراكز إنتاج وتصدير رئيسية للمخدرات. وقد ارتبطت هذه التجارة على نطاق واسع بنخب ووحدات عسكرية من عهد الأسد، مما يشير إلى تورط أطراف ذات نفوذ في تسهيل هذه الأنشطة غير المشروعة. هذا الارتباط بين تجارة الكبتاغون والجهات ذات النفوذ في عهد الأسد، بما في ذلك نخب عسكرية وسياسية، قد أضفى تعقيداً كبيراً على جهود مكافحة هذه الظاهرة. فوجود هذه الروابط القوية يمنح المهربين حماية ويساهم في استمرارية عملياتهم، مما يجعل تفكيك هذه الشبكات يتطلب جهوداً أمنية وسياسية مكثفة تتجاوز مجرد العمليات العسكرية المباشرة.
وتُعد أسواق الخليج الهدف الرئيسي للمهربين الذين ينشطون في تجارة الكبتاغون. يشير محللون ومراقبون إلى أن الطلب المرتفع في دول الخليج العربي يجعلها وجهة مربحة لهذه الشبكات، مما يدفعها لتكثيف جهود التهريب عبر مسارات متعددة. وتعمل السلطات في هذه الدول، بالتعاون مع الأردن، على التصدي لهذه التدفقات الهائلة من المخدرات التي تستهدف شبابها ومجتمعاتها، حيث تتسبب في أضرار اجتماعية واقتصادية جسيمة. وتعتبر هذه التجارة غير المشروعة مصدر تمويل للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة. وقد أكد مسؤولون غربيون لمكافحة المخدرات أن الكبتاغون يُنتج بكميات كبيرة في سوريا، وأن الأردن يمثل طريق عبور رئيسياً للوصول إلى أسواق الخليج المربحة. هذه الديناميكية الإقليمية تجعل من الأردن خط الدفاع الأول ضد انتشار الكبتاغون إلى المنطقة الأوسع، مما يضع على عاتقه مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه التجارة العابرة للحدود.
وتشكل محافظة السويداء جزءًا من منطقة حوران التاريخية، وتُعتبر الامتداد الطبيعي لجبل حوران. هذه الخصائص الجغرافية والتاريخية تجعل المحافظة منطقة استراتيجية للمهربين، حيث توفر تضاريسها المعقدة وموقعها على الحدود مع الأردن مسارات متعددة وصعبة المراقبة. وقد ساهم هذا الموقع في جعلها منطقة عبور رئيسية لعمليات التهريب، بما في ذلك الكبتاغون، مستغلة الروابط التاريخية والاجتماعية عبر الحدود. تحد محافظة السويداء محافظة درعا غرباً، وريف دمشق شمالاً وشمال شرق، والأردن جنوباً وجنوب شرق، والصحراء السورية شرقاً، مما يمنحها موقعاً محورياً للأنشطة الحدودية. هذا الموقع الجغرافي الفريد لمحافظة السويداء، بحدودها المترامية مع الأردن والصحراء السورية، يمنح المهربين ميزة تكتيكية كبيرة. التضاريس الوعرة، بما في ذلك المناطق الجبلية والصحراوية، توفر غطاءً طبيعياً لعمليات التهريب وتجعل من الصعب على قوات الأمن رصد وتتبع جميع الأنشطة غير المشروعة. كما أن الروابط العائلية والقبلية الممتدة عبر الحدود قد تُستغل لتسهيل مرور الشحنات، مما يزيد من تعقيد جهود المكافحة ويتطلب مقاربة شاملة تتضمن التعاون الأمني والاستخباراتي الوثيق بين الدول المعنية.
استراتيجيات مكافحة المخدرات والجهود المشتركة
أفاد التلفزيون السوري الرسمي أن الضربات الجوية استهدفت مخبأ للمخدرات والأسلحة في محافظة السويداء الجنوبية، دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة الأهداف أو حجم الأضرار. وتأتي هذه الأنباء في سياق تصاعد العمليات العسكرية الأردنية داخل الأراضي السورية والتي تستهدف شبكات تهريب الكبتاغون والأسلحة، مما يؤكد استمرار الضغط على هذه الشبكات المتمركزة في المناطق الحدودية. وقد سبق للأردن أن نفذ ضربات مماثلة في إطار جهوده لمكافحة التهريب عبر الحدود الشمالية للمملكة، وهي جهود تهدف إلى تعطيل طرق الإمداد والتصنيع لهذه المواد غير المشروعة وتقويض قدرة المهربين على العمل بحرية.
وفي إطار مساعي تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، أُعلن عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين الأردن وسوريا في يناير/كانون الثاني 2025. تهدف هذه اللجنة إلى تنسيق الجهود وتبادل المعلومات لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، بما في ذلك مكافحة تهريب المخدرات. وفي هذا الصدد، علق بنيامين فيف (Benjamin Feve) قائلاً: "لقد أُعلن عن تشكيل لجنة أمنية بين الأردن وسوريا في عام 2025، ومع أن ذلك يمثل خطوة قيمة، إلا أنه لا يمكن أن يحل محل السيطرة الفعالة على الأرض — وهذا شرط أساسي لكل شيء آخر". ويُشار إلى أن هذه اللجنة تُعتبر محاولة لتعزيز التنسيق الثنائي في ظل استمرار أنشطة التهريب عبر الحدود، وتسليط الضوء على الحاجة إلى إجراءات عملية وملموسة على الأرض.
على صعيد الجهود الدولية لمكافحة الكبتاغون، أحبطت السلطات الهندية محاولة لتهريب 227.7 كيلوغرام من الكبتاغون، وألقت القبض على مواطن سوري متورط في هذه العملية. هذه الواقعة تسلط الضوء على الامتداد العالمي لشبكات تهريب الكبتاغون، وتؤكد أن هذه المادة المخدرة لم تعد محصورة في الأسواق الإقليمية بل أصبحت تستهدف أسواقاً بعيدة عبر مسارات بحرية وجوية معقدة. وقد تزايدت الضغوط الدولية على الدول المنتجة والمصدرة للكبتاغون لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمكافحة هذه التجارة غير المشروعة التي تغذي الجريمة المنظمة وتؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي. تعكس هذه الحادثة الحاجة الملحة إلى تعاون دولي متعدد الأطراف لمواجهة هذه الظاهرة العابرة للحدود. إن اعتراض هذه الكمية الكبيرة من الكبتاغون في الهند يؤكد أن شبكات التهريب الدولية تستخدم طرقاً معقدة وشبكات لوجستية واسعة النطاق لتوصيل المخدرات إلى أسواق بعيدة. هذا التطور يشير إلى أن الكبتاغون لم يعد مشكلة إقليمية فحسب، بل أصبح يمثل تهديداً عالمياً يتطلب استجابة منسقة من قبل أجهزة مكافحة المخدرات والجمارك حول العالم. كما أن تورط مواطن سوري في هذه العملية يبرز الدور المحوري الذي تلعبه سوريا كمركز لإنتاج وتهريب هذه المادة.
تحديات تفكيك شبكات التهريب
تأتي عملية 3 مايو/أيار العسكرية، التي نفذتها القوات الجوية الأردنية داخل الأراضي السورية، كخامس ضربة عسكرية أردنية في سوريا منذ إقالة بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. هذه العمليات المتصاعدة تعكس إصرار الأردن على مواجهة شبكات تهريب الكبتاغون التي تستغل الفراغ الأمني في المناطق الحدودية السورية. وتستهدف الضربات الأردنية بشكل أساسي البنية التحتية لهذه الشبكات، بما في ذلك مصانع ومستودعات الكبتاغون، بهدف تعطيل قدرتها على العمل وتهريب المخدرات والأسلحة إلى الأراضي الأردنية. هذه الاستراتيجية الهجومية تهدف إلى قطع خطوط الإمداد وتقليل قدرة المهربين على إعادة تجميع صفوفهم.
وفي تطور لاحق، أعلنت السلطات السورية في 14 مايو/أيار أنها أحبطت محاولة تهريب 142 ألف حبة كبتاغون كانت موجهة إلى الأردن. يشير هذا الحادث إلى استمرار محاولات التهريب عبر الحدود رغم الجهود المبذولة لمكافحتها، ويسلط الضوء على حجم التحدي الذي تواجهه الدولتان في إحكام السيطرة على المعابر. وتؤكد هذه الواقعة أن شبكات التهريب لا تزال نشطة وتحاول إيجاد طرق جديدة لتمرير شحناتها، مما يتطلب يقظة أمنية مستمرة وتطوير لأساليب المراقبة والتصدي.
في المقابل، سجل مركز إيتانا للدراسات والتوثيق (Etana Center for Research and Documentation) ومقره دمشق انخفاضاً بنسبة 60 بالمئة في محاولات التهريب عبر الحدود خلال الشهرين الأولين بعد فرار الأسد إلى روسيا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2023، مقارنة بالفترة نفسها من موسم التهريب السابق. جاء هذا الانخفاض مقارنة بالفترة نفسها من موسم التهريب السابق، مما يشير إلى أن التغيرات السياسية والأمنية في سوريا قد أثرت بشكل مباشر على ديناميكيات التهريب، ولو بشكل مؤقت. ويشير ذلك إلى أن غياب الأسد ربما أربك بعض شبكات التهريب، وإن كانت الجهود مطلوبة للحفاظ على هذا التراجع ومنعه من الانتعاش، حيث يمكن لهذه الشبكات أن تتكيف بسرعة مع الأوضاع الجديدة. هذا الانخفاض الملحوظ في محاولات التهريب بعد رحيل الأسد يوحي بأن هناك ارتباطاً مباشراً بين وجود النظام السابق وشبكات التهريب. قد يكون هذا التراجع نتيجة لاضطراب في سلاسل القيادة أو ضعف في الحماية التي كانت تُمنح للمهربين، مما أثر على قدراتهم التشغيلية. ومع ذلك، فإن هذه الشبكات تتمتع بمرونة عالية، وقد تسعى إلى إعادة تنظيم صفوفها وتكييف أساليبها مع الظروف الجديدة، مما يستدعي استمرار اليقظة والضغط الأمني لمنع عودة نشاطها بكامل قوتها.
الكبتاغون كـ "اقتصاد حرب موازٍ"
يقول مسؤولون غربيون لمكافحة المخدرات إن الكبتاغون يُنتج بكميات كبيرة في سوريا، وأن الأردن يمثل طريق عبور رئيسياً للوصول إلى أسواق الخليج المربحة. وقد ارتبطت هذه التجارة على نطاق واسع بنخب ووحدات عسكرية من عهد الأسد، مما يشير إلى وجود شبكة معقدة تستفيد من هذه التجارة غير المشروعة. من جانبها، ذكرت وزارة الداخلية السورية أن الإنتاج المحلي للكبتاغون قد تم القضاء عليه افتراضياً بحلول أواخر عام 2025، بعد حملات مكثفة على المنشآت التي كانت تديرها قوات نظام الأسد سابقاً. وتحد محافظة السويداء محافظة درعا غرباً، وريف دمشق شمالاً وشمال شرق، والأردن جنوباً وجنوب شرق، والصحراء السورية شرقاً، مما يجعلها منطقة حيوية لعمليات التهريب. إعلان وزارة الداخلية السورية عن القضاء الافتراضي على الإنتاج المحلي للكبتاغون بحلول أواخر عام 2025، بعد حملات مكثفة على المنشآت التي كانت تديرها قوات نظام الأسد سابقاً، يمثل تطوراً مهماً. هذا الإعلان، إن كان دقيقاً، يشير إلى تحول في سياسة مكافحة المخدرات أو اعتراف ضمني بالحجم السابق للمشكلة. ومع ذلك، فإن فعالية هذه الحملات ومدى استمراريتها في ظل التغيرات السياسية والأمنية في سوريا ستكون عاملاً حاسماً في تقييم الأثر طويل المدى على تجارة الكبتاغون.
يُعتبر الكبتاغون بمثابة "اقتصاد حرب موازٍ" في سوريا، حيث يوفر تمويلاً كبيراً للعديد من الأطراف المتورطة في الصراع. هذا الاقتصاد غير المشروع يساهم في إطالة أمد النزاعات ويقوض جهود إعادة الإعمار والاستقرار في البلاد. إن حجم الإنتاج والتهريب الهائل يشير إلى بنية تحتية قوية ومنظمة، تتطلب جهوداً دولية منسقة لتفكيكها. إن التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يتطلب أيضاً معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الأفراد والجماعات للانخراط في هذه التجارة، مثل الفقر وانعدام الفرص الاقتصادية.