الأردن يسعى لتعزيز النمو الاقتصادي عبر قطاعات واعدة ذات قيمة مضافة

The Jordanian flag in the middle of the capital Amman
الصورة عبر News

يسعى الأردن بشكل حثيث إلى تعزيز نموه الاقتصادي وتحقيق تنمية مستدامة من خلال التوسع في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، وذلك وفقاً لتحليلات وآراء اقتصاديين متخصصين. يرى هؤلاء الاقتصاديون أن المملكة تتمتع بفرص واعدة وكبيرة لتنويع محركات نموها الاقتصادي، وذلك عبر تركيز الجهود والاستثمارات على مجموعة من الصناعات والخدمات الحيوية. تشمل هذه القطاعات الواعدة صناعات الأدوية، والصناعات الغذائية، وقطاع التكنولوجيا بمختلف فروعه، بالإضافة إلى تكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي الذي يشهد نمواً متسارعاً عالمياً. كما يبرز قطاع الطاقة المتجددة كركيزة أساسية للمستقبل، إلى جانب قطاع التعدين الذي يمتلك الأردن فيه ثروات طبيعية، والسياحة المتخصصة التي تستهدف شرائح معينة من الزوار، وأخيراً الخدمات اللوجستية التي تستفيد من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة.

وأفاد اقتصاديون لصحيفة الغد بأن "هذه القطاعات لديها قدرة أكبر على جذب الاستثمار المباشر وغير المباشر، وزيادة حجم الصادرات الوطنية، وخلق فرص عمل نوعية تتطلب مهارات عالية وتوفر دخلاً جيداً للمواطنين، مستفيدة من مزايا تنافسية يمتلكها الأردن". وتشمل هذه المزايا الخبرات البشرية المؤهلة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين القارات، والبنية التحتية المتطورة نسبياً، والخبرة المتراكمة في عدد من الصناعات، بالإضافة إلى شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية التي تفتح أسواقاً عالمية أمام المنتجات الأردنية. وأكد الاقتصاديون أن التحدي الرئيسي يكمن في تحويل هذه المزايا الكامنة إلى استثمار فعلي على أرض الواقع، وزيادة في الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة الصادرات. هذه القطاعات، والتي تشمل الصناعات ذات القيمة المضافة العالية بشكل عام، والصناعات الدوائية والغذائية والكيميائية بشكل خاص، بالإضافة إلى قطاع التعدين، وتكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، والسياحة العلاجية، والخدمات اللوجستية المتطورة، وقطاعي الطاقة والمياه، إلى جانب الزراعة الحديثة والمستدامة، تعتبر قادرة على قيادة محركات نمو جديدة للاقتصاد الأردني.

قطاعات النمو الواعدة وأدائها الحالي

شهدت بعض هذه القطاعات الواعدة بالفعل مؤشرات نمو إيجابية خلال الفترة الماضية، مما يعزز التوقعات بشأن قدرتها على قيادة النمو المستقبلي. فقد سجل قطاع الصناعات الغذائية والزراعية والثروة الحيوانية نموًا ملحوظًا بنسبة 9% خلال النصف الأول من العام الجاري، مسجلاً زيادة في القيمة بلغت حوالي 41 مليون دينار أردني. هذا النمو يؤكد على أهمية القطاع في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وفي قطاع حيوي آخر، ارتفعت صادرات الأردن من المستحضرات الصيدلانية والأدوية بشكل لافت بنسبة 17.6% خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وقد وصلت قيمة هذه الصادرات إلى 147 مليون دينار أردني، صعوداً من 125 مليون دينار أردني في نفس الفترة من عام 2025، مما يعكس القدرة التنافسية للصناعات الدوائية الأردنية في الأسواق الإقليمية والعالمية.

وفي قطاع آخر ذي أهمية متزايدة، زادت صادرات الصناعات الهندسية والكهربائية وتكنولوجيا المعلومات بنحو 49 مليون دينار أردني خلال النصف الأول من العام، محققة معدل نمو بلغ 7.1% لتصل قيمتها الإجمالية إلى حوالي 745 مليون دينار أردني. هذا النمو يشير إلى تطور القاعدة الصناعية والتكنولوجية في المملكة وقدرتها على المنافسة.

على صعيد السياحة، وهو قطاع يعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد الأردني، سجلت إيرادات القطاع ارتفاعاً قوياً بنسبة 24.9% في يوليو 2026، لتبلغ 926.2 مليون دولار أمريكي خلال ذلك الشهر وحده. ورغم هذا الارتفاع الشهري الملحوظ، شهدت إيرادات السياحة تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.2% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، لتصل إلى 4,418.2 مليون دولار أمريكي، مما يستدعي مزيداً من الجهود لجذب السياح على مدار العام.

مزايا الأردن الاستراتيجية كقاعدة للنمو

يمتلك الأردن مجموعة من المزايا الاستراتيجية المتعددة التي يمكن أن تسهم بشكل فعال في تعزيز نموه الاقتصادي وتحقيق أهدافه التنموية. تشمل هذه المزايا الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة، والذي يجعلها نقطة وصل حيوية تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يوفر فرصاً كبيرة للخدمات اللوجستية والتجارة. يتمتع الأردن بامتلاكه خبرات بشرية مؤهلة ومدربة، مع نسبة تعليم عالية وقوى عاملة شابة يمكنها التكيف مع متطلبات القطاعات الجديدة.

كما يتمتع الأردن بشبكة واسعة ومتطورة من اتفاقيات التجارة الحرة مع العديد من الدول والكتل الاقتصادية الكبرى، مما يفتح له أسواقاً عالمية واسعة أمام منتجاته وخدماته دون حواجز جمركية كبيرة. يستفيد الاقتصاد الأردني من قاعدة صناعية وخدمية قائمة بالفعل، والتي توفر أساساً متيناً للانطلاق نحو تطوير قطاعات جديدة وذات قيمة مضافة أعلى، والاستفادة من البنية التحتية والخبرة المتراكمة. ويُعد الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يتمتع به الأردن عاملاً رئيسياً وجاذباً للاستثمارات الأجنبية والمحلية، ويساهم في الحفاظ على بيئة أعمال مستقرة ومواتية للنمو. هذه العوامل مجتمعة تشكل ركائز قوية يمكن للمملكة البناء عليها لتحقيق التنوع الاقتصادي المنشود وزيادة قدرتها التنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

تحديات التحول الاقتصادي الطموح

على الرغم من المزايا الاستراتيجية والفرص الواعدة، يواجه الأردن تحدياً رئيسياً يتمثل في تحويل هذه المزايا الكامنة إلى استثمار حقيقي، وزيادة في الإنتاج، وتوسع في الصادرات، وذلك للاستفادة القصوى من القطاعات الاقتصادية الواعدة. تشمل هذه المزايا التي تحتاج إلى تفعيل أكبر الخبرات البشرية المتوفرة، والموقع الجغرافي المميز، والبنية التحتية القائمة، والخبرة المتراكمة في عدد من المجالات، بالإضافة إلى الاتفاقيات التجارية المتعددة.

وتتضمن التحديات الجوهرية التي تواجه عملية التحول الاقتصادي في الأردن ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج بشكل عام، مما يؤثر على تنافسية المنتجات الأردنية في الأسواق العالمية. كما تبرز صعوبة تأمين التمويل المناسب وبشروط ميسرة للمشاريع الجديدة والناشئة، خاصة تلك التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة أو تحمل مخاطر أعلى. إضافة إلى ذلك، تشكل التعقيدات في الإجراءات الإدارية والبيروقراطية عائقاً أمام سهولة ممارسة الأعمال وجذب الاستثمارات.

ويبرز تحدي آخر يتمثل في الحاجة الملحة إلى تطوير المهارات البشرية وتأهيلها لتتناسب مع المتطلبات المتغيرة للقطاعات الجديدة ذات القيمة المضافة العالية، وضمان توافر الكفاءات اللازمة. كما أن هناك محدودية في الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار، وهي عناصر حاسمة لدفع عجلة التقدم التكنولوجي والاقتصادي. ويتطلب الأمر أيضاً تعزيز قدرة الشركات المحلية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، على الوصول إلى الأسواق الخارجية لزيادة حجم الصادرات وتنويعها.

مقترحات لتجاوز العقبات وتحقيق النمو

في ضوء التحديات القائمة، دعا خبراء اقتصاديون إلى اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة لتحفيز القطاعات الواعدة، وذلك من خلال مجموعة من الإصلاحات والسياسات. تأتي في مقدمة هذه المقترحات ضرورة تخفيض تكاليف الإنتاج بشكل عام، بما في ذلك تكاليف الطاقة والنقل، لتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات والخدمات الأردنية.

كما طالب الخبراء بتسهيل بيئة الاستثمار وجعلها أكثر جاذبية من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الجديدة والمبتكرة بأسعار فائدة وشروط ميسرة. وشددوا على أهمية تطوير المهارات البشرية بشكل مستمر من خلال برامج تدريب وتأهيل متخصصة لضمان تلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة في القطاعات الجديدة. وأكد الخبراء أيضاً على ضرورة تعزيز البحث والابتكار ودعمهما، وربط الحوافز الحكومية المقدمة للشركات والمستثمرين بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس تغطي مجالات رئيسية مثل حجم الاستثمار، وعدد فرص العمل التي يتم خلقها، ونسبة الزيادة في الصادرات. تهدف هذه المقترحات المتكاملة إلى تجاوز العقبات الحالية التي تواجه النمو الاقتصادي في الأردن، وتحويل المزايا الاستراتيجية للمملكة إلى محركات فعلية للتقدم والتنمية المستدامة.