يواجه الأردن تداعيات متزايدة لتغير المناخ، تشمل ارتفاعاً سريعاً في درجات الحرارة، وندرة المياه، وتناقص الموارد الطبيعية، وضغوطاً متزايدة على قطاعي الغذاء والطاقة. هذه التحديات المناخية المتفاقمة تضع المملكة أمام واقع يتطلب استجابات مبتكرة ومتكاملة. جاء ذلك في مؤتمر عُقد مؤخراً في عمان تحت رعاية صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن، حيث ناقش المشاركون هذه التحديات وكيفية تحويلها إلى فرص للحلول المستدامة.
يعتبر الأردن من الدول الرائدة في المنطقة في التصدي لتغير المناخ، حيث كان من أوائل البلدان التي تعاملت معه بمنهج علمي. وفي هذا السياق، صرح الدكتور مختار ربيع، أستاذ الهندسة الزراعية والبيولوجية في جامعة تكساس إيه آند إم (Texas A&M University)، بأن "الأردن كان من بين أوائل الدول في المنطقة التي تناولت تغير المناخ علمياً، معتمداً على المعلومات والأدلة لتقييم المشكلات وتحديد أبعادها". وقد أكد الدكتور ربيع على أن هذا النهج المرتكز على الأدلة يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الأردن لمواجهة التغيرات المناخية بفعالية. هذا الاعتماد على المعلومات الدقيقة والبيانات الموثوقة يمكّن المملكة من صياغة استراتيجيات تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، مما يعزز من فعاليتها على المدى الطويل في مواجهة تحديات المناخ المتزايدة.
القدرات العلمية والخبرات الأردنية كركيزة للحلول
يعتقد الخبراء أن الأردن يمتلك القدرات العلمية اللازمة لتطوير حلول عملية تربط بين المناخ والصحة والغذاء والمياه والطاقة ضمن نظام متكامل. تُظهر البيانات أن الأردن يُعد من بين الدول الأكثر تأثراً بارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم، مما يجعله مختبراً طبيعياً لتطوير حلول مبتكرة. هذا الربط بين المناخ والصحة والمياه والغذاء والطاقة يقدم إطاراً أوسع لفهم المخاطر والتصدي لها بشكل فعال، مما يعزز من قدرة المملكة على بناء استراتيجيات شاملة ومستدامة. هذه الاستراتيجيات المتكاملة تضمن معالجة الأبعاد المتعددة لتغير المناخ، حيث لا يمكن فصل تأثيراته على قطاع عن آخر، بل تتطلب رؤية شمولية تحقق التوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد.
يتمتع الأردن بامتلاكه قاعدة بيانات قوية في مجالات المناخ والبيئة، مما يدعم جهوده في هذا الصدد. وتشمل نقاط القوة الرئيسية للأردن المعرفة العلمية المتراكمة، والجامعات المرموقة التي تحتضن الكفاءات البحثية، والخبرات المتخصصة في مختلف القطاعات ذات الصلة، بالإضافة إلى قواعد البيانات الموثوقة التي توفر أساساً متيناً للتحليل واتخاذ القرار. هذه المقومات تمكن المملكة من التعامل مع التحديات المناخية بأسلوب منهجي ومبتكر، مدعومة بالبحث العلمي والتحليل الدقيق. على سبيل المثال، تسهم هذه القاعدة المعرفية في تحديد المناطق الأكثر عرضة للتأثر بتغير المناخ، وتطوير نماذج تنبؤية دقيقة، وتقييم فعالية الحلول المقترحة قبل تطبيقها على نطاق واسع.
تتجلى هذه القدرات في قدرة الأردن على صياغة سياسات بيئية مستنيرة وتطوير برامج وطنية تهدف إلى التكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف من حدتها. إن وجود جامعات رائدة ومراكز بحثية متخصصة يضمن استمرارية الابتكار وتطوير حلول محلية تتناسب مع خصوصية البيئة الأردنية. كما أن الخبرات المتخصصة في قطاعات مثل الزراعة والمياه والطاقة تتيح تطبيق هذه الحلول بفعالية، وتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسات عملية تسهم في تعزيز صمود المملكة أمام التحديات المناخية.
استغلال الفرص في قطاع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر
يمتلك الأردن فرصة فريدة لتحويل موقعه الجغرافي الاستراتيجي، وموارده البشرية المؤهلة، وقدراته البحثية المتنامية إلى نقاط قوة حقيقية. يمكن لهذه المقومات أن تسهم في توليد المعرفة، وتعزيز الابتكار، وتطوير قطاع الطاقة النظيفة، وتحسين أمن الغذاء والماء والصحة في المملكة. وتبرز هذه الفرص بشكل خاص في قطاع الطاقة النظيفة، حيث تتوفر إمكانيات حقيقية للأردن لمعالجة تغير المناخ بمنهج علمي وعملي. هذه الإمكانيات تضع الأردن في طليعة الدول التي تسعى لتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية من خلال تبني حلول طاقة مبتكرة.
يوجد في الأردن إمكانات كبيرة للاستفادة من درجات الحرارة المرتفعة ووفرة موارد الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتطوير قطاعات واعدة مثل الهيدروجين الأخضر. يمكن أن يسهم الهيدروجين الأخضر في تنويع مصادر الطاقة في الأردن، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وخلق فرص اقتصادية جديدة ومستدامة، وتقليل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير. كما يلعب دوراً محورياً في استراتيجيات التكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف من حدتها، مما يعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي للطاقة النظيفة. هذا التوجه نحو الهيدروجين الأخضر لا يدعم فقط أهداف الأردن البيئية، بل يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتنمية الصناعية، مما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل للشباب الأردني.
المؤتمر الثاني لتغير المناخ والصحة: منصة للتعاون الإقليمي
افتتح المؤتمر الثاني حول تغير المناخ والصحة في المنطقة العربية (CCHAR-II 2026) أعماله في عمان يوم الاثنين، تحت رعاية صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن. يهدف هذا المؤتمر إلى تعزيز الفهم والتعاون الإقليمي والدولي في مواجهة التحديات المناخية المتزايدة وتأثيراتها المعقدة على الصحة العامة في المنطقة. ويجمع المؤتمر نخبة من الباحثين والخبراء وصناع القرار لمناقشة أحدث الأبحاث والحلول الممكنة. هذا الحدث الهام يؤكد التزام الأردن بدوره الريادي في المنطقة، ليس فقط في معالجة تحدياته الخاصة، بل أيضاً في تسهيل الحوار وتبادل الخبرات على نطاق أوسع لمواجهة قضية عالمية تتطلب جهوداً جماعية.
وتشارك فرق بحثية أمريكية في فعاليات المؤتمر بهدف فهم تحديات المناخ التي تواجه الأردن بشكل مباشر وعميق. يتيح هذا التفاعل للباحثين الدوليين فرصة قيمة للاطلاع على الوضع الميداني في الأردن، أحد أكثر الدول تأثراً بتغير المناخ، ومناقشة الحلول الممكنة مع نظرائهم الأردنيين والإقليميين. هذا التبادل المعرفي والخبرات يساهم في بناء شراكات قوية وتطوير استراتيجيات مشتركة لمواجهة التحديات المناخية والصحية على مستوى المنطقة. إن مشاركة الوفود الدولية تعكس الأهمية المتزايدة التي يوليها المجتمع العلمي العالمي لقضية تغير المناخ في المنطقة العربية، وتحديداً في الأردن، كنموذج لدولة تواجه تحديات كبيرة لكنها تسعى بنشاط لإيجاد حلول مستدامة.
تحديات تحويل المعرفة إلى سياسات وإجراءات ملموسة
ويكمن التحدي الرئيسي في ترجمة المعرفة العلمية والبيانات المتاحة إلى سياسات فعالة ومشاريع قابلة للتطبيق وحلول عملية قادرة على إحداث تأثير ملموس ومستدام على أرض الواقع. يتطلب هذا التحول جهودًا منسقة ومتواصلة بين الأوساط العلمية والبحثية وصناع القرار والقطاع الخاص، لضمان أن الأبحاث والنتائج لا تبقى حبيسة المختبرات أو الأوراق البحثية، بل تتحول إلى إجراءات عملية تسهم في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره السلبية على كافة المستويات. إن القدرة على سد الفجوة بين البحث العلمي والتطبيق العملي هي مفتاح نجاح الأردن في بناء مستقبل أكثر استدامة ومرونة في مواجهة التغيرات المناخية. هذا يتطلب آليات واضحة لتمويل المشاريع البحثية الموجهة نحو الحلول، وتسهيل إجراءات الترخيص والتنفيذ للمشاريع المستدامة، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص لضمان تبني الابتكارات الجديدة.