يواجه الأردن تحدياً كبيراً يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، حيث يقترب ما يقرب من 40% من الشباب الأردني من البطالة. هذه النسبة المرتفعة تسلط الضوء على الحاجة الملحة لإيجاد حلول مبتكرة وفعالة لدمج الشباب في سوق العمل. وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية، تبرز مبادرة "تكوين" (Techween)، التي تديرها الجمعية الأردنية للمصادر المفتوحة (JOSA)، كجهد ملموس لسد الفجوة المتزايدة بين مخرجات التعليم التقني ومتطلبات سوق العمل المتغيرة باستمرار. ويُعد قطاع التكنولوجيا أحد أسرع الصناعات نمواً ومساهمةً في الاقتصاد الأردني، مما يجعله مجالاً حيوياً للاستثمار في تنمية الموارد البشرية.
قال عيسى محاسنة، المدير التنفيذي للجمعية الأردنية للمصادر المفتوحة (JOSA)، إن العديد من الخريجين ينظرون إلى أنفسهم كـ "موظفين محتملين في منطقة الخليج"، مما يعكس توجهاً نحو الهجرة بحثاً عن فرص أفضل. وأضاف محاسنة أن التكنولوجيا تعتمد بشكل رئيسي على "تقديم الدعم والخدمات للقطاعات الأخرى"، مشدداً على دورها المحوري كعامل تمكين للاقتصادات الحديثة. وأوضح أنه "إذا كان لديك صناعة جيدة، فإنها بالتأكيد بحاجة إلى التكنولوجيا. وبما أن القطاعات الاقتصادية الأخرى في الأردن ليست متقدمة جداً، فإن هذا ينعكس أيضاً على قطاع تكنولوجيا المعلومات". تهدف مبادرة "تكوين" إلى معالجة هذه التحديات الهيكلية من خلال توفير فرص للشباب لتطوير مهاراتهم التقنية والمساهمة بفاعلية في الاقتصاد المحلي، بدلاً من البحث عن فرص في الخارج.
تحديات الشباب وسوق العمل الأردني
تُعد "تكوين" مبادرة رائدة في الأردن تهدف إلى سد الفجوة بين التعليم التقني ومتطلبات سوق العمل، وهي مصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات المتزايدة للقطاع التكنولوجي. وتتلقى المبادرة دعماً تمويلياً حيوياً من مؤسسة دروسوس (Drosos Foundation)، مما يمكنها من تنفيذ برامجها الطموحة. يشغل معاذ أسعد منصب مدير البرامج للمشرق العربي في مؤسسة دروسوس (Drosos Foundation)، وهو يرى أن التحديات التي يواجهها الشباب تتجاوز مجرد نقص المهارات. ووفقاً لأسعد، فإن الموهبة وحدها لا تكفي غالباً للنجاح في سوق العمل المعاصر، إذ يمكن للشاب أن يمتلك القدرة والدافع الكبير، لكنه لا يزال يواجه عقبات هيكلية تحدد ما إذا كان بإمكانه ممارسة عمله، أو أن يكون مرئياً لأصحاب العمل، أو أن يُحال إلى فرص وظيفية حقيقية.
وأوضح معاذ أسعد أن الانضمام إلى قطاع التكنولوجيا يتطلب أكثر من مجرد إتقان لغات البرمجة أو الأدوات التقنية؛ بل يتطلب أيضاً تعلم كيفية طرح الأسئلة الجيدة، وقراءة أعمال الآخرين لفهم أفضل الممارسات، وتلقي الملاحظات البناءة لتحسين الأداء، والمساهمة بفعالية في المشاريع المشتركة، وفهم واستيعاب معايير المجتمع المهني الذي ينتمي إليه الفرد. وأشار إلى أن مجتمعات الممارسة توفر مساحة حيوية يمكن أن يتم فيها هذا النوع من التعلم التفاعلي والتعاوني، مما يدعم الشباب بشكل كبير في اكتساب المهارات الناعمة والتقنية اللازمة للاندماج بنجاح في بيئة العمل التقني الديناميكية.
مبادرة Techween: بناء مجتمعات الممارسة والخبرة العملية
تُعد كلمة "تكوين" (Techween) تلاعباً لفظياً ثنائي اللغة يعكس جوهر المبادرة، حيث تجمع بين البادئة الإنجليزية للتكنولوجيا (Tech) واللفظ الصوتي للكلمة العربية التي تعني "الخلق" أو "التكوين". هذا الاسم لا يعبر فقط عن التوجه التقني للمبادرة، بل أيضاً عن هدفها في "تكوين" جيل جديد من الكفاءات التقنية. وتعمل المبادرة على تنظيم الشباب ضمن "مجتمعات الممارسة" (Communities of Practice)، وهي مجموعات تُبنى حول اهتمامات تقنية مشتركة، مثل تطوير الويب، أو الذكاء الاصطناعي، أو الأمن السيبراني. هذا النهج يهدف إلى توفير بيئة داعمة للتعلم المستمر وتبادل الخبرات والمعارف بين الأفراد الذين يشاركون نفس الشغف بالتكنولوجيا، مما يعزز قدراتهم الجماعية والفردية.
وقد شهدت الدفعة الأولى من برنامج "تكوين" إقبالاً كبيراً وغير مسبوق، حيث تقدم 250 متقدماً للتنافس على 15 مكاناً متاحاً فقط. يعكس هذا العدد الكبير من الطلبات الحاجة الملحة والرغبة القوية لدى الشباب الأردني في تطوير مهاراتهم التقنية واكتساب الخبرة العملية اللازمة لدخول سوق العمل التنافسي. تُظهر هذه الأرقام أيضاً مدى الجاذبية التي تتمتع بها المجتمعات العملية كمنصة فعالة لتنمية القدرات والشبكات المهنية.
تُكمل مبادرة "تكوين" حالياً عامها الأول من التنفيذ بنجاح، وتستعد للدخول في عامها الثاني بخطط طموحة لتوسيع نطاق تأثيرها. يشير هذا التطور إلى استمرارية البرنامج والتزامه الراسخ بمعالجة التحديات التي يواجهها الشباب الأردني في قطاع التكنولوجيا. يمثل الانتقال إلى العام الثاني خطوة مهمة في مسيرة المبادرة نحو تحقيق أهدافها في سد الفجوة بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات السوق الفعلية، وتأكيداً على جدوى نموذجها القائم على مجتمعات الممارسة والتعلم العملي.
تغيير عقلية المستهلك إلى المساهم التقني
تتركز غالبية شركات وفرص وشبكات قطاع التكنولوجيا في الأردن بشكل كبير في العاصمة عمان، مما يخلق تحدياً كبيراً للمواهب الشابة خارجها في الوصول إلى مسارات مهنية في هذا المجال الحيوي. هذا التركيز الجغرافي يحد من فرص التنمية الاقتصادية في المحافظات الأخرى ويساهم في تفاقم مشكلة البطالة الإقليمية. ولمعالجة هذا التحدي الجغرافي، قدمت مبادرة "تكوين" مفهوم مختبر العمل المفتوح (OpenLab)، وهو مسار تدريب مهني مبتكر يدمج الطلاب في مشاريع مفتوحة المصدر حقيقية. يهدف هذا النهج إلى تزويد المشاركين بخبرة عملية قيمة وملموسة، وتمكينهم من المساهمة بفاعلية في مشاريع حقيقية لها تأثير، وتطوير مهاراتهم التقنية في بيئة تعاونية تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعلم والعمل عن بُعد.
شملت الدفعة الأولى من برنامج "تكوين" مشاركين من عدة مدن أردنية، بما في ذلك عمان، وإربد، والزرقاء، والعقبة. يعكس هذا التوزيع الجغرافي الواسع التزام المبادرة بتوسيع نطاق الفرص التكنولوجية لتشمل الشباب في جميع أنحاء المملكة، وليس فقط في العاصمة. يساهم هذا التنوع في إثراء "مجتمعات الممارسة" التي تبنيها "تكوين"، حيث يتبادل المشاركون المعرفة والخبرات من خلفيات جغرافية وثقافية مختلفة، مما يعزز الابتكار والتفكير الإبداعي. يسعى البرنامج بذلك إلى بناء جيل من المساهمين التقنيين القادرين على دفع عجلة الابتكار في الأردن، وتحويل الشباب من مجرد مستهلكين للتكنولوجيا إلى مطورين ومساهمين فاعلين في بناء مستقبل رقمي مزدهر للمملكة.