تُواجه الأردن تحديات اقتصادية تراكمت تدريجياً على مدار سنوات عديدة، نتيجة لتفاعل الأزمات الإقليمية والموارد المحدودة والضغوط المالية، بالإضافة إلى تأخر الإصلاحات. هذه التحديات، التي تطورت تدريجياً على مدار سنوات عديدة، هي نتاج تفاعل معقد بين الأزمات الإقليمية، الموارد المحدودة، الضغوط المالية، بالإضافة إلى التأخير في تنفيذ الإصلاحات الضرورية. أكد الدكتور حمد قصاصبة أن هذه التحديات لم تنشأ عن حدث واحد أو قرار محدد، بل "تطورت تدريجياً على مدار سنوات عديدة". وأشار إلى أن هذا التطور جاء "مع تفاعل الأزمات الإقليمية والموارد المحدودة والضغوط المالية مع التأخير في الإصلاحات التي كان من الممكن أن تقلل التكلفة لو تم تنفيذها في وقت أبكر". وأضاف الدكتور قصاصبة أن "مناقشة "الفرص الضائعة" لا تهدف إلى إلقاء اللوم بطريقة عاطفية، بل هي قراءة هادئة لمسار اقتصادي كان يمكن أن يكون أكثر قدرة على النمو وخلق فرص العمل لو تم استغلال بعض الفرص في الوقت المناسب". لقد أدى الوقت الضائع إلى زيادة تكلفة الإصلاحات وتعميق الاختلالات الهيكلية، مما قلل من قدرة السياسات التقليدية على تحقيق نتائج سريعة وملموسة. هذا التأخير جعل عملية الإصلاح أكثر صعوبة وأقل فعالية في معالجة الجذور العميقة للمشكلات الاقتصادية.
جذور التحديات الاقتصادية وتأثيرها
اقتصر التعامل مع الاستقرار المالي والنقدي في الأردن على اعتباره هدفًا نهائيًا، بدلاً من كونه أساسًا لنمو إنتاجي أوسع نطاقًا، وفقًا لتحليلات اقتصادية. هذا النهج، الذي ركز على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي كغاية بحد ذاتها، بدلاً من كونه وسيلة لدفع عجلة النمو الاقتصادي الشامل والمنتج، قد ساهم في ترسيخ تحديات هيكلية عميقة في الاقتصاد الأردني. كما أدى التأخر في إصلاح القطاع العام إلى توسع مستمر في الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق الرأسمالي الإنتاجي. هذا التوجه حد من القدرة على بناء أصول تنموية مستدامة، مما أثر سلبًا على البنية التحتية والمشاريع التي كان من شأنها أن تدفع عجلة الاقتصاد وتوفر فرص عمل جديدة.
يشير تحليل الوضع الاقتصادي إلى أن كل تأخير في إصلاح سوق العمل يؤدي إلى ارتفاع مطرد في معدلات البطالة، مما يفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. وفي سياق بيئة الاستثمار، فإن التأخير في الإصلاحات يؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي، وهو ما يقلل بشكل كبير من جاذبية الأردن للاستثمارات الأجنبية والمحلية على حد سواء، ويحد من تدفق رؤوس الأموال الحيوية. فإن التأخر في إصلاح الإدارة العامة يضعف من قدرة الدولة على تنفيذ السياسات والبرامج بفعالية وكفاءة، مما يعرقل جهود التنمية. كما أن عدم معالجة تكاليف الطاقة والمياه، التي تُعد من التحديات الهيكلية الرئيسية، يقلل من القدرة التنافسية للشركات الأردنية في الأسواق المحلية والدولية، ويزيد من الأعباء التشغيلية على القطاع الخاص، مما يؤثر سلبًا على هامش أرباحها وقدرتها على التوسع والتوظيف.
فرص اقتصادية مهدرة في قطاعات حيوية
كان بإمكان الأردن، في وقت مبكر، الربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل والإنتاج بشكل أكثر فعالية، خاصة في مجالات التعليم التقني، والمهارات الرقمية، والتدريب المهني، بالإضافة إلى تنظيم العمل الحر الذي يتيح فرصًا مرنة للشباب. هذا الربط كان من شأنه أن يقلل من الفجوة بين المهارات المتوفرة وتلك المطلوبة في السوق. وفي سياق الاستثمار، لم تكن المشكلة مقتصرة على غياب التشريعات المحفزة، بل امتدت لتشمل الافتقار إلى سياسة استثمارية قطاعية واضحة ومستقرة، توجه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتوفر بيئة أعمال جاذبة وموثوقة. كان من الممكن أيضاً إدارة إصلاحات قطاعي الطاقة والمياه بشكل أبكر وأكثر شمولية من منظور اقتصادي، مما كان سيساهم في خفض التكاليف التشغيلية وتحسين الكفاءة العامة للاقتصاد.
لم يتم استغلال الموقع الجغرافي للأردن بشكل كافٍ ليصبح مركزاً إقليمياً حيوياً للنقل والخدمات والتجارة والتعليم والرعاية الصحية وإعادة الإعمار في المنطقة، وهي مجالات تمتلك فيها المملكة ميزة تنافسية. كما شهد التحول الرقمي تأخراً في اعتماده كمشروع وطني واسع النطاق، على الرغم من إمكاناته الهائلة في تعزيز الإنتاجية وتوفير فرص عمل جديدة وتطوير الخدمات الحكومية والخاصة. هذه المجالات تمثل فرصاً ذهبية كان يمكن استغلالها لدفع النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة ومستدامة في المملكة، لو تم التعامل معها برؤية استراتيجية وتنفيذ فعال.
خارطة طريق نحو التعافي والنمو
لطالما امتلك الأردن نقاط قوة تاريخية، تمثلت في موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعله بوابة للمنطقة، ورأسماله البشري المتعلم والمؤهل، فضلاً عن استقراره السياسي والمؤسسي الذي يوفر بيئة آمنة للأعمال، وعلاقاته الدولية الواسعة واتفاقياته التجارية المتعددة التي تفتح له أسواقاً عالمية. هذه المقومات كانت ولا تزال أساساً متيناً يمكن البناء عليه لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل، لو تم توظيفها بفعالية أكبر.
تتطلب المرحلة القادمة تحولاً جذرياً في النهج الاقتصادي، من إدارة العجز المالي إلى بناء النمو الفعلي والمستدام، ومن التركيز على توسيع التحصيل المالي من خلال الضرائب والرسوم إلى توسيع الإنتاج الاقتصادي وخلق الثروة. كما يجب الانتقال من معالجة آثار البطالة بعد تفاقمها إلى خلق فرص عمل مستدامة وجديدة بشكل استباقي، ومن مجرد الحديث عن الإمكانات الكامنة التي يمتلكها الأردن إلى تحويلها إلى نتائج حقيقية وملموسة على أرض الواقع يشعر بها المواطن والمستثمر.
يمكن لرؤية التحديث الاقتصادي أن توفر إطار عمل فعال وشامل، شريطة أن تنتقل من الأهداف العامة والمجردة إلى التنفيذ القطاعي الدقيق والمفصل. يتطلب ذلك ربطاً محكماً بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية، بالإضافة إلى سياسات التعليم وسوق العمل، لضمان تحقيق تكامل وتآزر يدعم الأهداف الاقتصادية الشاملة ويضمن تحقيق النتائج المرجوة على المدى الطويل. هذا الربط الحيوي يضمن أن تعمل جميع مكونات الاقتصاد في تناغم لدفع عجلة التنمية.