استهدفت إيران مدينة العقبة الأردنية الجنوبية يوم الأحد، في تصعيد يشير إلى توسع نطاق الحرب الإيرانية المستمرة عبر المنطقة. هذه الحرب، التي بدأت في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران، تتضمن جبهات متعددة. إحدى هذه الجبهات الأمامية تتجلى الآن بوضوح في الأردن، مما يعكس الامتداد الجغرافي الواسع للصراع الدائر.
تصعيد الهجمات الإيرانية على الأردن
تستهدف القوات الإيرانية بشكل معلن القوات الأمريكية المتمركزة في الأردن. وتظهر هذه الهجمات أكثر فتكاً وتطرفاً مقارنة بهجمات إيران السابقة، مما يشير إلى تغيير في استراتيجية المواجهة وتصعيد ملحوظ في طبيعة التهديدات. كما ادعت إيران مؤخراً استهداف حامية أمريكية في سوريا. ومع ذلك، يبدو أن هذه الحامية، الواقعة في التنف (Al-Tanf)، لم تعد موجودة وتم إخلاؤها في فبراير الماضي، مما يثير تساؤلات حول دقة الادعاءات الإيرانية والتكتيكات المستخدمة. وقد تمركزت هذه الجماعات الإيرانية بالقرب من الحدود الأردنية والسورية على حد سواء، مما يمنحها مرونة عملياتية في المنطقة وقدرة على شن هجمات متزامنة أو متتابعة.
وفي سياق متصل، يبدو أن هذه الجماعات كانت وراء محاولة تهريب حديثة تم فيها إخفاء صواريخ وطائرات مسيرة داخل شاحنة صهريج لنقلها إلى سوريا عبر معبر التنف الحدودي، في محاولة لتوسيع نطاق نفوذها العسكري وتعزيز قدرات وكلائها. وقد أحبطت السلطات السورية محاولة التهريب هذه بنجاح، مما كشف عن جهود إيران المستمرة لتسليح وكلائها وتزويدهم بالموارد اللازمة لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وفي أعقاب ذلك، ادعت إيران استهداف منطقة التنف بذريعة استهداف الأمريكيين، لكنها كانت في الواقع ترسل رسالة أوسع، ربما تحذيرية، إلى الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أنها قادرة على ضرب أهداف استراتيجية وتحدي الوجود الأجنبي.
الهدف الاستراتيجي: جبهات جديدة ورسائل ردع
قتلت إيران أيضاً جنوداً أمريكيين في الأردن، مما يبرز اتساع نطاق الصراع وتصاعد حدته بشكل خطير. فقد سعت إيران إلى نشر الصراع في جميع أنحاء المنطقة وإنشاء جبهات جديدة متعددة، بحسب تقارير استخباراتية وتحليلات عسكرية دقيقة. ومن الأمثلة البارزة على هذا التصعيد، الهجوم الذي وقع في يناير 2024، حيث هاجمت جماعة كتائب حزب الله (Kata'ib Hezbollah)، وهي جماعة مدعومة بشكل مباشر من إيران، موقعاً عسكرياً يُعرف باسم "البرج 22" (Tower 22) في شمال شرق الأردن، مما أسفر عن مقتل ثلاثة أمريكيين. هذا الهجوم لم يكن مجرد حادثة معزولة، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع لزعزعة الاستقرار الإقليمي وتأكيد النفوذ الإيراني.
ويبدو أن إيران تعتقد أن لديها الحق في مهاجمة القوات الأمريكية هناك، كما حدث في "البرج 22"، وذلك في إطار سعيها لردع الوجود الأمريكي في المنطقة وتقويض نفوذ الولايات المتحدة. وقد يشمل ذلك أيضاً استهداف المملكة الأردنية الهاشمية نفسها، وذلك لإرسال رسالة مفادها أن الأردن يجب ألا يستضيف القوات الأمريكية على أراضيه، مهددة بذلك استقرار المملكة وسيادتها. هذا التصعيد يضع الأردن في موقف حساس للغاية، حيث يجد نفسه في قلب صراع إقليمي متزايد التعقيد، مما يستدعي يقظة دولية وإقليمية. هذه الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى إعادة تقييم وجودهم العسكري في الشرق الأوسط.
الأردن: حليف غربي وتاريخ معقد
لطالما كان الأردن حليفاً للغرب على مدار تاريخه الممتد، وهو دور يعكس التزامه بالاستقرار الإقليمي والدولي منذ تأسيسه. ويُعد الأردن دولة ذات أهمية استراتيجية قصوى في منطقة الشرق الأوسط، وقد حافظ على علاقات وثيقة مع القوى الغربية لعدة عقود، مما يعكس دوراً إقليمياً ثابتاً في السياسة الدولية. هذه العلاقات لم تقتصر على الجانب السياسي والاقتصادي فحسب، بل امتدت لتشمل التعاون الأمني والعسكري، مما عزز من مكانة الأردن كشريك موثوق به في جهود مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن الإقليمي. الدور الأردني كحليف للغرب يجعله هدفًا محتملاً للجماعات التي تسعى لتقويض المصالح الغربية في المنطقة.
ومع ذلك، لم يمنع هذا التحالف الأردن من الانخراط في صراعات إقليمية محورية، حيث خاض الأردنيون حرب عام 1948 ضد إسرائيل، والتي تُعرف أيضاً بحرب الاستقلال الإسرائيلية. وقد شهدت هذه الفترة مواجهات عسكرية واسعة النطاق في المنطقة، مما أثر بشكل عميق على رسم الخرائط السياسية لدول الشرق الأوسط الناشئة آنذاك، وشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الأردنية وتاريخها العسكري. كانت هذه الحرب لحظة حاسمة في تشكيل الحدود الجيوسياسية للمنطقة.
وفي وقت لاحق، وقع البلدان اتفاقية سلام تاريخية في عام 1994، مما فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين الأردن وإسرائيل. وقد ساهمت هذه الاتفاقية في استقرار الحدود المشتركة وتسهيل التعاون في مجالات مختلفة، لتصبح نموذجاً للسلام في منطقة مضطربة، على الرغم من التحديات المستمرة. تُظهر هذه الاتفاقية قدرة الأردن على المكيف مع الظروف الإقليمية المتغيرة والسعي نحو الاستقرار.
تحمل الأردن عبئاً إنسانياً كبيراً خلال الحرب الأهلية السورية، حيث استضاف مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الفارين من الصراع الدامي. وقد شكل هذا التدفق تحدياً كبيراً للموارد الأردنية المحدودة، لكنه عكس أيضاً التزام المملكة الثابت تجاه جيرانها في أوقات الأزمات، ودورها كملجأ إنساني في المنطقة. هذا العبء الإنساني أثر بشكل كبير على البنية التحتية والخدمات في المملكة، مما أضاف طبقة أخرى من التعقيد للتحديات التي تواجهها. هذه التحديات التاريخية والمعاصرة تبرز مرونة الأردن ودوره المحوري في استقرار الشرق الأوسط، وتؤكد على أهمية الحفاظ على أمنه واستقراره.